من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٣ - الشرك بين التصور والتوهم
ثانياً: إن النهاية التي جعلها الله لمثل هؤلاء هي العذاب الشديد. إذن فهم ليسوا بخارجين عن دائرة المسؤولية التي من أجل الهروب منها تشبثوا بمثل هذه الأفكار الباطلة.
كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا
ثم- وبعد أن يشكك هؤلاء بأفكارهم- يطرح عليهم هذا السؤال: هل هذا علم أم ظن؟، إن مجرد طرح هذا السؤال يعني جعل شرعية الأفكار مناطة بالعلم لا بالمصلحة، وبالتالي فضح جذور الفكرة، وأنها نابعة من الهوى، وبما أنهم لم يدعوا العلم لأنهم لا يعترفون بالحق (بل بذاتهم) حتى يبحثوا عن العلم الذي يهديهم إليه، ولكن مع ذلك لا يمكنهم إنكار شرعية العلم.
ثم يؤكد القرآن الحقيقة في أمر هؤلاء، ويقول: إن اعتماد هؤلاء هو على التصور والوهم والتصور (الظن) هو الكذب المتعمد، والوهم هو الشك (الخرص).
قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ وهم لا يستطيعون إنكار ذلك. إذ أنهم لو أنكروه فقد فتحوا باب المباحثة البناءة، والحوار الفاعل على أنفسهم، وهو يضرهم لأنه يعيد الشرعية للحق والعلم لا للهوى والظن.
لا للحتمية
[١٤٩] لم يحتم الله على البشر الضلالة، ولا رضي بها. إذ لم يجبرهم على ترك ضلالتهم، بل وفر لهم فرصة الهداية كاملة، فأعطاهم الحجة البالغة، وبقي عليهم أن يقوموا بدورهم في استيعاب الهداية، كما أن الله قادر على أن يجبر الناس على الهداية، ولكنه لم يفعل، كما لم يجبر الناس على الشرك .. فليس تركه للناس دليلًا على رضاه سبحانه لأنه أتم الحجة عليهم قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ.
الاستشهاد
[١٥٠] إحدى الوسائل الفعالة لتمييز الحق عن الهوى، والعلم عن الظن، والصدق عن الكذب، هي طرح الأفكار على عقول الناس، واستشهادهم عليها، ذلك لأن الناس حتى ولو كانوا يتبعون الهوى والظن فإنهم حين يقيمون أفكار الآخرين، فليس من الضروري القبول بها أو التصديق، ذلك لأن مصالح الناس مختلفة، وأهواءهم متفاوتة، وبالتالي كل حزب بما لديهم فرحون. بيد أن شهادة الناس ليست دليلًا على الحق ولو كانت دليلًا على بطلان الهوى. فهي