من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٩ - الأفق الإيجابي في تشريعات التوحيد
فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ مغفرته تتجلى في عدم أخذ من يأكل الميتة اضطراراً بالرغم من حرمته في الواقع، ورحمته تتجلى في خلقه سائر الطيبات.
ملحقات المحرمات
[١٤٦] مبدئياً لا يحرم الله الطيبات على البشر، بل الخبائث، وهي استثناء وليست أصلا، وبالتالي فهي معدودة كما عرفنا، بيد أن ربنا قد حرم وفقاً لحكمة معينة طائفة من الطيبات لأسباب خارجية مثل تأديب المجتمعات المائعة والظالمة، مثلًا: حرم الله على اليهود كل ذي ظفر، وهو الحيوان الذي يستخدم أظفاره سلاحاً لصيده. مثل السباع، والطيور ذات المخالب (كالعقاب) وقيل: إن هذه الكلمة تشمل الإبل والأنعام لأنهما وأمثالهما ليست بمنفرج الأصابع.
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وشمل تحريم ربنا الاستثنائي على بني إسرائيل شحوم البقر والغنم، إلا تلك الشحوم المتراكمة على ظهورها، أو الموجودة على مقاعدها، أو تلك الشحوم المختلطة بعظم وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ.
و السؤال: لماذا حرم الله كل تلك الطيبات عليهم؟
يجيب ربنا: إن بني إسرائيل ظلموا وبغى بعضهم على بعض، فحرم الله عليهم بعضاً من الطيبات، ويبقى سؤال، لماذا يتسبب البغي في الحرمة؟
و الجواب: إن السنن التي نسميها بالأنظمة الطبيعية لا تختلف عن الأحكام التشريعية إلا في شيء واحد هو أن تلك يجريها ربنا على الكون وعلى البشر قهراً ودون أي تغيير وتبديل، بينما الأحكام الشرعية. يأمر بها الناس، ويحذرهم من عاقبة تركها، لذلك فإن هاتين السنتين الطبيعية والتشريعية تلتقيان في الخطوط العامة، لأنهما تصدران من منبع واحد، وبما أن النهاية الطبيعية للبغي في المجتمع هو انحسار النعم عنه وتضييق الخناق عن أبنائه، فإن ذات النهاية يحكم بها الله سبحانه على مجتمع البغي، وذلك بتحريم طائفة من الطيبات عليه ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ.
ذو الرحمة والبأس
[١٤٧] إن كل واحد من البشر يتصور الله على شاكلته وحسب مشتهياته، كما يتخذون