من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٧ - الشك المنهجي طريق إلى اليقين
فإن فطرة الإنسان تهديه إلى وجود سنن ونظم في هذا الكون المهيب، وأن الطبيعة تسير وفق نظام. الشمس والقمر والنجوم كلها تسير وفق خطة مرسومة. من الذي يهدي الشمس إلى مسيرتها، والقمر إلى فلكه، والنجوم إلى مراسيها؟ إنه الله. إنه خالقها، إذن فعلينا نحن أيضاً أن نبحث عن الهدى هنالك عند الله، لا سيما في موضوع الإله. إذ قد يكون (وهذا واقع فعلا) البشر عاجزاً عن معرفة ربه، ولكن ربه سبحانه ليس بعاجز عن تعريف ذاته له.
ومن جهة أخرى: حين تكرر تجربة الإنسان الفاشلة في الوصول إلى الحقيقة، تعتريه حالة اليأس ويقول: أنا أقل من أن أعرف الحقيقة، فلماذا البحث؟!.
وهذا اليأس هو أخطر عدو للبحث، وهو وراء اكثر من نصف الجهل الموجود لدى الناس، واليأس لا يزول إلا بالتوكل على الله، لذلك قال إبراهيم (عليه السلام) لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ.
[٧٨] إذا كان جمال القمر قد دفع البعض إلى اتخاذه إلهاً مؤقتاً فإن كبر الشمس وضخامتها، بالإضافة إلى جمالها يدفعهم هذه المرة إلى مثل ذلك.
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ وكانت صدمة الفشل الهائلة والمتكررة حيث اختفت الشمس العملاقة وراء الأفق.
فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ فتجعلون الشمس وهي خلق مما خلق الله شريكة لرب العالمين، بينما شريك الألوهية يجب أن يكون قادراً حرًّا مريداً ما يشاء، والشمس مسخرة بأمر ربها، لا تستطيع أن تخالف أمر الله في الطلوع والغروب.
التسليم المطلق المرحلة الأخيرة
[٧٩] ترك إبراهيم (عليه السلام) الخلق واستقبل بوجهه الخالق، ترك الطبيعة إلى مسخرها ومدبر أمرها، وقال إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي أي اتخذت الله طريقاً، ومرضاته هدفاً.
لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ خلقها وحدد مسارها، ورسم حدودها، وأظهر بذلك هيمنته التامة عليها.
وحين عبد إبراهيم ربه كفر بكل الشركاء، ورفض الأنداد جميعاً وكان حَنِيفاً مائلًا عما اعتمده الناس متمرداً على عاداتهم وتقاليدهم، وسلم أموره جميعا إلى الله رافضاً الانتماء إلى المجتمع الكافر وقال وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ.