من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٩ - هكذا ترفع المآسي حجب الضلال
لم يتقيدوا بشيء اسمه دين أو ضمير أو نظام، بل أخذوا يتمتعون بما في الحياة من دون قيد أو شرط. أسرفوا في كل ما هو لذيذ. طيباً كان أو خبيثاً، وأسرفوا في الجنس مشروعاً كان أو شذوذاً، وأسرفوا في التظاهر بالصلاح أو الفساد، ولكن إلى متى تبقى موارد الطعام والجنس والشهوة، وكم هي قدرة البشر على استيعابها؟! بالطبع أن هناك حدوداً تنفد عندها موارد الطبيعة، وتنهك قدرة البشر على استيعابها، وهي التي نسميها مرحلة الإشباع، والتي تنعكس على النفس في حالة (الفرح) أي الشعور بالكمال والغنى والإشباع، وعندها يكون السقوط المفاجئ.
حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ويكون السقوط المفاجئ نتيجة تراكمات الإسراف الدائم، ولكن لحظة السقوط لا يشعر بها المغرور الفرح إلا بعدئذ. لذلك عبر القرآن عن حالتهم: بأنهم كانوا آنئذ مبلسين، وكانوا في ظلام دامس.
إن مَثَل الأمة مثل الشاب الذي يسرف في- الطعام والشراب والجنس والبطش والفساد- ويستمر لفترة من الوقت حتى يشعر بأن كل لذائذ الدنيا في متناول يده، وهو لا يدري أن أنواعاً من المرض قد أحاطت بجسده، وأن سحباً داكنة من حقد المظلومين، وأنصار الحق تقترب منه، وفي لحظة سوداء، وربما وهو جالس على مائدة الشراب، ولذائذ الطعام، وإلى جانبه فتيات الهوى، وغلمان الشذوذ، وهو في غمرة من الفرح والإشباع، فإذا بالشرطة تداهم بيته، وإذا به يشعر بأنواع الألم وهو في غياهب السجون، وإذا به في موقع لعنة الناس جميعا، وأخيرا يسلم إلى حبل المشنقة غير مأسوف عليه.
كذلك الأمة التي تنفلت من قيود الدين والأخلاق، وتعمل بالظلم والبطش وتسرف في كل شيء، إنها تشعر بالغرور والكبرياء، ولكن في لحظة واحدة يهجم عليها عدوها فيهزمها شر هزيمة ويذيقها الأمرَّين.
[٤٥] وحين تنتهي هذه الجولة ينحسر غبار المعركة عن أمة سادت ثم بادت، ولم يبق منها سوى الذكر السيئ.
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وهذا الحمد، هو حمد الناس حين يشعرون بأن كابوساً عظيماً ارتفع عنهم، وهو حمد الناس حين يعرفون أن رحمة الله هي التي أنقذتهم من هذا الكابوس بفضله العظيم.
ولولا رحمة الله الذي أجرى هذه السنة الحكيمة إذن لبقي الناس يرزحون تحت وطأةُ الطغاة.