من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٨ - هكذا ترفع المآسي حجب الضلال
وَالضَّرَّاءِ بالشدائد التي مصدرها غضب الطبيعة. إنما أخذهم الله بذلك بعد بعث الرسل، وربما بسبب عدم انتفاعهم بالرسالات.
أما الهدف فقد كان لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ.
[٤٣] وبالرغم مما أخذهم الله به من العذاب فإن أولئك الذين قست قلوبهم، ولم تستوعب دروس التجربة المرة، عادوا بعد النكبة إلى سابق أعمالهم وعاداتهم السيئة.
فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا أي لماذا لم تلن قلوبهم، ولم تعد إلى حالتها العادية، حيث تتأثر بالتجارب بعيداً عن نزوة الغرور، وظلام التكبر.
وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ولم تتفاعل مع الحياة، وانغلقت على مفاهيم ثابتة جامدة وصخرية، والسبب قد يكون هو التمحور حول الذات، وعدم الالتفات إلى الحق، وحين تكون النقطة المركزية في حياة الإنسان هي ذاته، تصبح حياته بعيدة عن التطور ذلك لأن كل عمل يقوم به الشخص يصبح حسناً لا بشيء، وإنما لأنه هو الذي عمله، وحتى لو عمل هذا الشخص عملًا من دون وعي، فإنه سوف يقدسه لأنه صدر منه، ونسب إلى ذاته، وهذا هو الذي يجعلك تحتفظ بالعادات السيئة، فإذا بك متعصب لها لأنها من صنع ذاتك.
وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ولكن على البشر أن يعرف: أن الأعمال السيئة ليست جزءاً من ذاته، ولا تصبح كذلك حتى ولو صدرت هذه الأعمال منه، لأن الإنسان قد خلق في أحسن تقويم، وإنما الأعمال السيئة هي من عمل الشيطان ومن وحيه، ومما يزينه للإنسان.
اشراط العذاب
[٤٤] لقد أتم الله حجته على هذه الفئة، أرسل إليهم رسالة ورسولًا، وأخذهم بالبأساء والضراء ليكون ذلك رسالة واقعية وعملية لهم، ولكنهم لم ينتفعوا بواحدة من الحجتين .. وها هي ساعة العذاب، فكيف يعذبهم الله؟.
إن الله يمهد للانتقام بفتح أبواب الرزق عليهم من كل صوب، ثم حين يصلون إلى مرحلة الإشباع التام، ولا تبقى في قلوبهم ذرة من إنما يأتيهم العذاب فجأة.
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ مما تصوروا انه خير لهم، ولم يكن خيراً، بل هو شر عظيم، ففتح الله عليهم أبواب الطعام، والجنس والشهرة، لأنهم