من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٥ - هكذا تجلى الرب
وقد يكون شكًّا نابعاً من الهوى أو الحساسية وما أشبه، وفي قضية الإيمان بالله لا نجد ذلك النوع من الشك، إن الله أظهر من أن يشك فيه بشر [١]، إن هذا الشك هو الشك الذي مصدره إغماض العين عن الشواهد، والانصراف عن الأدلة والمجادلة في الحق بعد اليقين به.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ إن خلقة الإنسان كانت من طين فلذلك هو ينزع إليه ويهوى الخلود إليه، ومن الصعب عليه أن ينبعث إلى الحق ولأن الإنسان خلق من طين فأولى به أن يخشع لخالقه وإلا يستكبر.
ثم إن للإنسان قدراً مقدوراً. ذلك أن خلايا جسمه تتحلل، وعظامه تهن وتضعف، وينتهي بالتالي إلى الموت. وقد يأتيه قبل ذاك الموت بحادث سيارة أو مرض سرطان، أو قتل في حرب أو غير ذلك من الأسباب.
الميتة الأولى قدر مقدور عليه، كما هو قدر مقدور على كل حي وعلى كل مادة، أما الميتة الثانية فهي قضاء يقدرها الله عليه، ويكتبها في سجله الأسمى، وذلك وفقاً لاختيارات الفرد نفسه لأنماط حياته المادية والمعنوية. إذن فهو إله السماوات وإله الأرض، وهو ملكهما ومرجع أمورهما.
[٣] وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ ولأنه يدبر أمور السماوات والأرض، فهو عليم بهما لأنه من المستحيل أن يدبرعليك الكون دون أن يعلم بخفاياه يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ.
إنه يعلم السر كما يعلم الجهر بعكس الإنسان لأن السر هو الذي يتكون أولًا، ثم يبرز أمام الناس، كالحبة تحت التراب، تتحول عبر تفاعلات كيماوية إلى زرع قبل أن يراها الناس، ثم إذا اخضرت الأرض أصبحت جهراً والله يعلم سرها وجهرها.
ولذلك فإن علمه بالسر يسبق علمه بالجهر بالرغم من أن علم الله لا زمان له. والله يعلم خفايا الحبة التي تتفاعل مع أملاح الأرض، ثم إذا تفاعلت يعلمها خبراء الزراعة ثم يراها المزارعون.
كذلك يعلم الله إرادة الإنسان قبل أن تتحول إلى عمل، ويعلم العوامل المؤثرة فيها.
[١] جاء في دعاء عرفة للإمام الحسين (عليه السلام)
«إِلَهِي تَرَدُّدِي فِي الْآثَارِ يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزَارِ فَاجْمَعْنِي عَلَيْكَ بِخِدْمَةٍ تُوصِلُنِي إِلَيْكَ كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ أَ يَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَكَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ مَتَى غِبْتَ حَتَّى تَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْكَ وَمَتَى بَعُدْتَ حَتَّى تَكُونَ الْآثَارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْكَ عَمِيَتْ عَيْنٌ لَا تَرَاكَ عَلَيْهَا رَقِيباً وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصِيبا».
بحار الأنوار، ج ٩٥، ص ٢٢٥.