من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٧ - دوافع الصراع وآثاره النفسية
وهابيل لم يكن يصدق أن قابيل قاتله، بل ربما كان يظن أن كلامه كان مجرد تهديد أو لا أقل كان يحتمل ذلك، وقد قتل غيلة.
[٢٩] ثم قال هابيل الذي لم يشأ أن يصبح المجرم. حتى ولو كان ذلك يؤدي به إلى أن يصبح الضحية إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ حيث أن القاتل بغير حق سيتحمل أوزار القتيل يوم القيامة، بينما يغفر الله للقتيل ذنوبه رحمة به.
فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ حيث يتضاعف إثمهم بسبب ظلمهم للناس.
[٣٠] النفس الأمارة بالسوء تُهوِّن في عين الإنسان الجرائم الكبيرة إرضاء للشهوات العاجلة، وقابيل كان يستعظم في البدء الاعتداء على حياة أخيه، حيث أودع الله في فطرة الإنسان احترام الحياة وتكريم الآخرين، بيد أن نفسه طوعت له، وذللت هذه الجريمة.
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ خسر فطرته النقية، وخسر أخاه الكريم، وخسر حياته الهادئة، وخسر مستقبله في الآخرة.
[٣١] قتل أخاه وتورط في الأمر، ماذا يفعل بجسد أخيه .. بهذه العلامة الواضحة لجريمته؟!. وهنا بعث الله غُراباً، يثير الأرض بمنقاره فانهار كبرياء قابيل الكاذب، وتهاوى صرح غروره، وعادت إليه فطرته، وقد خمدت جذوة الغضب السابقة التي كانت قد حجبت عنه عقله، وقال لنفسه: كم أنا عاجز وكم كنت مغروراً بنفسي فهذا الغراب عرَّفني كيف أدفن جسد أخي! فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ.
[٣٢] أرأيت كيف قضى قابيل على حياة أخيه، وكيف ندم على فعلته دون أن ينفعه الندم؟، أرأيت كم هي عظيمة ومؤلمة جريمة القتل؟، لذلك احترمت الشرائع السماوية حياة الإنسان وجعلت حياة كل فرد مساوية لحياة الناس جميعا. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ حيث يجوز القتل قصاصاً أو لمنع الفساد كما يُبينه الدرس القادم، أما في غير ذلك فإن قتل نفس واحدة، تكون بمثابة قتل النفوس جميعاً فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً إن احترام الحياة عند الشرائع السماوية والإسلام بالذات، لا تعود إلى حياة هذا الشخص أو ذاك، بل إلى الحياة كحياة أيًّا كانت خصائصها وميزاتها، لا فرق بين الطفل الرضيع، ورئيس البلاد، أو بين المؤمن الصالح أو الإنسان العادي، أو بين عدوي وصديقي، المهم أن