نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٦٩
له محطّات كثيرة في حياة المستبصر قبل استكشافه للحقيقة.
وإنّ المستبصر كثيراً ما يتوقف في حياته عند محطّات كثيرة في السيرة النبوية وفي التاريخ الإسلامي عموماً، وعند كثير من المواقف في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ومن خلال سيرة أهل البيت (عليهم السلام) وكثير من مشاهير الصحابة المنتجبين منهم وغير المنتجبين، فيتوقف عندها كثيراً، فيطلب عقله وقلبه تفسيراً لها، وتتصارع الإجابة بين باطنه وظاهره، فباطنه يُسمعه نداءات الحقيقة ويوجهه للبحث عنها ومعرفة حقيقتها، وظاهره يبرّر تفسيرات لها من خلال ما يسمع من الناس، أو يفسره العلماء من أجل إخمادها وطيّها والمرور عنها، وبالرغم من عدم القناعة، ولأنّه لا يملك إجابة غير التي تُملى عليه من محيطه، فإنّ نداء الحقيقة الباطني يسكت ليثور مرّة أخرى مذكّراً بتواجده ملفتاّ النظر إليه، وفي كلّ مرة يثور فيها تكون ثورته أكبر من التي سبقتها، ولكنّ المشكلة أنّه لا جواب يشفي صدر المستبصر، فيدخل في حيرة تمنحه في كلّ مرّة دوافع أقوى وبشكل أوسع من أجل الوصول إلى الحقيقة والحصول على الأجوبة الشافية المقنعة لكلّ نداءات الحقيقة؛ ولذلك كان هذا الصراع في حياة المؤمن المستبصر قبل استكشاف الحقيقة بتمامها هو عمليّة تمهيد خلال سنوات طويلة، وإعداد نفسيّ عظيم من أجل قبول الحقّ والحقيقة والتمسّك بها بقوّة بعد الرحلة الطويلة في البحث عنها، وعند الإمساك بها واعتناقها تكون رحلة الاستكشاف قد انتهت، وبدأت رحلة جديدة في حياة المستبصر، وهي رحلة ذات مقاييس جديدة تتحدّث عن إنسان تائه في صحراء كبيرة انقطعت عنه فيها كلّ مقومات الحياة، وإذا به ينتقل إلى واحة خضراء فيها كلّ ما يتمنّاه للحياة الإيمانيّة الآمنة المطمئنّة.
حاول عزيزي القارئ أنْ تستشعر كلّ تلك المعاناة، وكلّ ذلك الوقت الذي مرّ في حياة الضياع والغياب عن الحقيقةّ وحاول أنْ تستشعر لحظة اكتشافها