نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ١٠٧
ويؤكّدون صحّتها، ويسمحون بمداولتها، بل إنّه في أغلب الأحيان يستندون إليها لتقرير أحكام شرعيّة كثيرة وأمور عقائديّة عديدة.
والذي زادنا حيرة وجعلنا ندقّق أكثر في ذلك الواقع، هو أنّهم جعلوا لشخصيّات كثيرة من الصحابة مثل أبي بكر وعمر وأبي هريرة فضائل أكثر من رسول الله، وجعلوا دينهم وفقههم وعقولهم وتطبيقهم لشرع الله أفضل وأكثر بكثير من تلك التي كانت لرسول الله(صلى الله عليه وآله).
هذه هي الحقيقة، وهذا هو التاريخ، وكل مواقفه بين أيديكم، دقّقوا فيها وافتحوا عقولكم وبصائركم، فإنّكم ستجدون ما قدّمت لكم من تعبيرات أقلّ بكثير من حقيقة الواقع الذي كان الأوّلون يعاملون رسول الله(صلى الله عليه وآله) من خلاله، وكيف كانت، ولا زالت حقيقته(صلى الله عليه وآله) متناقضة، والنظرة إليه دون العاديّة، وإنّ ادّعاء محبّته والاقتداء به وبهديه هو مجرّد كلام لا واقع له، فلقد تبيّن لنا أنّ المسلمين يقتدون بأفعال أبي بكر وعمر ومعاوية ويزيد أكثر من اتّباعهم لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، بل إنّهم في كثير من الأحيان يردّون كلام الله تعالى ويؤولونه ليتوافق مع كلام وفعل أولئك.
فعندما تقرأ وعلى سبيل المثال وليس الحصر كتابي البخاري ومسلم، فإنّك سوف تجد عشرات التهم والأفعال ينسبونها إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) مع أنّها لا تجوز في حقّ إنسان عادي، فتصطدم في تلك الكتب بما لا يليق بمنزلة النبوّة ومقام الرسالة المحمّدية، ولقد ذكرتُ عدداً كبيراً من تلك التهم والافتراءات على رسول الله(صلى الله عليه وآله) في كتابنا سبيل المستبصرين في بحث العصمة، ولكن لا مانع من ذكر بعض العناوين في هذا البحث حتّى يظهر للقارئ الكريم مدى تأثير قراءة التاريخ والمواقف التاريخية بصدق وإنصاف وتدقيق على النفس المؤمنة، وهو ما يوصل عادة إلى الاستبصار.