نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ١٩٨
والأخطر من ذلك أنّهم جعلوه(صلى الله عليه وآله) محلّ تبرير لأفعال مشينة فعلها بعض الصحابة والخلفاء، فصاروا يكيلون التهم له من كلّ صوب، ويلصقون أفعالهم باتّهام النبيّ(صلى الله عليه وآله) بفعل نفس أفعالهم كما مرّ معنا في قضايا سابقة، وتبيّن أنّهم كانوا هم الفاعلون، ثمّ يتّهمون رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالقيام بنفس الفعل المشين حتّى يخرجوا أنفسهم من دائرة الحرج، وتزول عنهم نظرة الناس إلى فعلهم المشين متحولة إلى فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فكان ذلك الأسلوب معتمداً عند ذوي النفوذ ووضاعي الحديث قبل عصر تدوين الحديث، وهو ما اعتمده من جاء بعدهم، فذابت أفعال أولئك مع الزمن، وظلّوا هم أصحاب الفضائل وحماة الدين والعقيدة، بينما بقيت تلك التهم ملصقة برسول الله(صلى الله عليه وآله) وحتّى يومنا هذا.
وهذه القضيّة التي بين أيدينا هي أيضاً تهمة من ضمن ما ألصقوا بنبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله)، فكثرة الروايات في هذا البحث والتي يتّهمون رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيها تدلّ أيضاً على أنّه كان في فترة وجود رسول الله(صلى الله عليه وآله) واقعاً شهوانياً جنسياً كبيراً، واهتماماً شديدا بقضايا الفروج والنساء والغناء والرقص من خلال تصرّفات العديد من الصحابة، والذي ازداد بشكل كبير، وصار أعظم وأشدّ بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ممّا أدّى إلى ضرورة وجود روايات عديدة تبرّر ذلك الواقع الفاسد .
وسنحاول أنْ نضعَ بين يدي القارئ العزيز بعضاً من الروايات على شكل عناويين تبيّن بعض مظاهر ذلك الواقع في عهد رسول الله وبعده، ثمّ نتطرق إلى الروايات التي تطعن في عصمة رسول الله وشخصيّته ومقامه مع بعض التعليقات على تلك الروايات، ثمّ نختم بنتيجة البحث.
روى أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة وابن حبّان والحاكم وصحّحه وغيرهم، عن أبي الجوزاء، عن ابن عبّاس قال: كانت امرأة تصلّي خلف رسول الله(صلى الله عليه وآله) حسناء من أحسن الناس، قال: "فكان بعض القوم يتقدّم حتّى يكون في الصف الأوّل لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتّى يكون في الصف المؤخّر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله عز وجل { وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَأْخِرِينَ } [١]." [٢].
فهذه رواية صحيحة ومذكورة في صحاح ومسانيد أهل السنّة والجماعة، وتظهر حقيقة قسم كبير من الصحابة وهم يقفون بين يدي ربّهم وخلف نبيّهم، قاموا بهذا الفعل المشين وهم في المسجد أثناء الصلاة بين يدي الله تعالى. مع أنّ الأصل أنْ لا يعمر مساجد الله إلاّ من آمن بالله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً، فهل من فعل ذلك الفعل مؤمناً حقاً؟. وهل كان يحسب لله حساباً وهو بين يديه وفي بيته؟. وهل تذكّر الله وعقابه وجنّته وناره من قام بمثل ذلك الفعل؟.
ومن الملاحظ أنّ الرواية أخفت أسماء الصحابة الذين قاموا بذلك الفعل، ولكنّه من المقطوع به أنّهم من سكّان المدينة وسوف يتبيّن من العديد من الروايات أسماء بعضهم.
وروى الطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود: أنّ رجلا قبل امرأة، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله، إنّي فعلت كذا وكذا، فأنزل الله عزّ وجلّ:
[١] الحجر : ٢٤. [٢] سنن النسائي ٢ : ١١٨، سنن الترمذي ٤ : ٣٥٩، سنن ابن ماجة ١ : ٣٢٢، مسند أحمد ١ : ٣٠٥، المستدرك على الصحيحين ٢ : ٣٥٢، صحيح ابن حبّان ٢ : ١٢٦، وأنظر الدر المنثور ٤ : ٩٦ - ٩٧.