نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٤٣
هكذا رأيت الواقع الذي يحيط بالمؤمن المستبصر، يجد نفسه وحيداً فريداً، وحالة غريبة بين كل تلك الفئات المذكورة، يتألّم ممّا يراه حوله من دفن وطمس للحقيقة، ومن إنكار وتشكيك فيها وفي أتباعها، ويتألّم لأولئك الذين يبحثون عنها دون جدوى وعلى غير هدى، وهو لا يستطيع أنْ يجيب عن اشكالاتهم وتساؤلاتهم ، مع أنّه يعرفها ويعرف الإجابة عليها، خوفاً من ردود الفعل اللامسؤولة، والتي يندفع بها أغلب الناس في أغلب المناسبات.
التناقض بين الشريعة والمألوف:
بعد كلّ ذلك، فإنّ المستبصر يتعامل وبشكل عام مع واقع نفسي تحكمه عادات وتقاليد ومألوفات تتناقض مع الشريعة المقدّسة، ومع تعاليمها وأخلاقياتها، من خلال مجتمع يسهل فيه تكفير المسلم للمسلم، ويهون فيه دم المؤمن وماله وعرضه، ويكثر فيه الحسد والحسّاد، والكبر والرياء، وحبّ الدنيا وشهواتها على حساب الآخرة، مجتمع تطغى عليه العصبيّات والضغائن، وحبّ الشائعات والافتراءات، وحبّ الفاحشة والرذيلة، وطغيان المادة، مجتمع ألف النفاق والرذيلة، وطُمست فيه الحقيقة والفضيلة، وطغى فيه الحكم بالرأي النفسي والشهوي، وحسب المصلحة المادية والدنيوية الفانية، مجتمع لم يبقَ فيه من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه.
إنّ كلّ ما ذكرت، وأكثر من ذلك يعيشه المؤمن المستبصر مع ثلّة قليلة جدّاً من المؤمنين الثابتين على عهد الله تعالى، والمستيقنين بعزّ الله ونصره، والمطمئنين بوفاء الله لوعده، ولذلك وبالرغم من كلّ ما يواجهه المؤمن المستبصر، فإنّه دائماً يستشعر العزّة بالله تعالى والسكينة بذكر الله وطاعته، والقوّة بتمسّكه بالحقّ، والإقرار الدائم والمستمر بولاية أهل البيت وإمامتهم.