نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٤٠٩
الاختلاف في شأن العصمة، فالأصل في العصمة كما بيّنا أنّها أمر جبليّ في الإنسان، مفطور على الاعتقاد به، ولكنّ الناس لمّا تحكّمت بهم المشاعر والأهواء غير المستندة إلى سند شرعيّ، فقاموا بتحكيم أهوائهم وشهواتهم ومشاعرهم وجعلوها حكماً على العصمة، فعصموا من لا يستحق العصمة، وأنكروها على من قرّر الله تعالى أنّه معصوم بالنصّ، حتّى وصل بهم الأمر أنْ يحاسبوا رسول الله على عصمته، مع أنّ موضوع عصمته(صلى الله عليه وآله) لا يجوز التشكيك فيه ولا البحث فيه أصلا، فالفطرة والعقل والشرع يوجبون له العصمة الشاملة؛ لأنّه المصطفى والمختار من الله تعالى ليبلّغ عنه، فمن يشكّك في عصمته(صلى الله عليه وآله) وكل من اختارهم الله تعالى وعيّنهم أوصياء لنبيّه، هو كمن يشكّك في اختيار الله تعالى.
ولنضرب مثلاً على من اختار طريق النجاة التي حدّدها الله تعالى لعباده، والتزم خطّ المعصومين بنصّ الشارع المقدّس، وبين من ترك اختيار العصمة والمعصوم لرأيه وهواه، ولم يلتزم بالنصّ الإلهي، وهذا المثل هو قصّة نبيّ الله نوح (عليه السلام) مع ابنه، وحديث السفينة الذي ذكرناه يشبّه فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) أهل بيته كسفينة نوح، أي أنّه(صلى الله عليه وآله) يقول: إنّ العنوان الرئيسي لأسباب النجاة في الماضي والحاضر هو ركوب سفينة أهل البيت (عليهم السلام)، والناس على كلّ حال بين خيارين، إمّا الاعتصام بمن عصمهم الله تعالى وجعلهم عنوان النجاة والهدى، وإمّا أنْ يحتكموا إلى فطرتهم وأهوائهم ويتركوا النصّ الشرعيّ ويعتصموا بمن لم يعصمه الله تعالى فيؤدّي بهم إلى الهلاك والضلال.
قال تعالى في سورة هود: { حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلنَا احْمِل فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ? وَ قالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ?