نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ١٠٨
محاولة الانتحار حقيقة أم تهمة؟
فمن الأمور الغريبة جدّاً أنّ كتاب صحيح البخاري يتّهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) بأنّه أراد الانتحار، ويؤكّد على تكرار المحاولة عدّة مرّات، وذلك في صحيح البخاري في كتاب التعبير باب أول ما بُدئ رسول الله به من الوحي في حديث طويل عن عائشة إلى أنْ تقول: "ثمّ لم ينشب ورقة أنْ توفي، وفتر الوحي فترة حتّى حزن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فيما بلغنا، حزناً غدا منه مراراً كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلّما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدَّى له جبريل، فقال: يا محمّد، إنّك رسول الله حقّاً. فيسكن لذلك جأشه، وتقرُّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدَّى له جبريل فقال له مثل ذلك" [١].
فهذا الحديث موجود في أصحّ الكتب عند أهل السنّة والجماعة بعد القرآن، وعند مطالعتنا للحديث تعجّبنا من ذلك وتساءلنا : هل يجوز من رسول الله ذلك الفعل أو تلك التهمة؟. وهل كان رسول الله إنساناً عاديّاً أو أقلّ من العاديّ حتّى يقرّر الانتحار؟. وهل يليق بنا أنْ نؤكّد ونقرّر حصول ذلك الأمر على رسول الله؟. ووالله الذي لا إله إلا هو لو أنّك اتّهمت رجلاً جاهلاً بمحاولة الانتحار لأقام الدنيا عليك؛ لأنّ فيها وصمة عار أبدية، فكيف يجرؤ المسلمون على توجيه تلك التهمة لرسول الله(صلى الله عليه وآله)؟. بل إنّهم يقرّرونها ويشددون على صحّة حدوثها، ويقول العلماء في شروحات الحديث، أنّ رسول الله عندما لم يستطع أنْ يحمل أعباء الرسالة أراد الانتحار، ومع أنّهم يعلمون علم اليقين حرمة ذلك الفعل وشدّة عقابه عند الله تعالى وشدّة تحريمه
[١] صحيح البخاري ٨ : ٦٨.