نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٤١٠
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ ? قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ } [١].
إذن فلقد عصم الله تعالى كلّ من حمل نوح (عليه السلام) في سفينته، وعصم الله تعالى المؤمنين الذين التزموا معه، فكانوا في أمان الله تعالى وعصمته التي منحهم الله إيّاها، ولكنّ ابن زوجة نبيّ الله نوح اختار العصمة المنبثقة عن الرأي والهوى والاستكبار، فظنّ أنّ الجبل عاصم له من أمر الله فكان من الهالكين بعد أنْ تجرّأ على النصّ وترك تحديد العصمة لاستكباره وعناده وهواه، إذ إنّ مَنْ تجرّأ على منازل أهل الله ورجاله الذين اصطفاهم واجتباهم كان من الضالّين الهالكين.
ولكنّ أولئك الذين تجرؤوا على البحث في عصمته(صلى الله عليه وآله) بعد أنْ حكّموا شهواتهم وأهواءهم، وتركوا فطرتهم وعقولهم وشرعهم، فقد وصل بهم الأمر إلى الخوض فيما لا يعنيهم، ولا يجوز لهم أنْ يخوضوا فيه، فمنهم من أنكر العصمة مطلقاً لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، ومنهم من حدّدها له بالتشريع فقط، ومنهم من رفعها عنه حتّى في التشريع.
ولأنّه لابدّ للإنسان من قدوة ومن معصوم، فإنّهم جعلوها لغيره(صلى الله عليه وآله)، فمنهم من يقبل الخطأ على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولكنّه ينفيه نفياً قاطعاً عن أبي بكر وعمر، ومنهم من ينكر عصمة أهل البيت (عليهم السلام)، ويجعلها في معاوية ويزيد، ومنهم من يرفض تقرير الشرع إذا تعارض مع كلام ابن تيمية أو محمّد بن عبد الوهاب.
[١] هود : ٤٠ - ٤٣.