نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٣٢٨
والحاصل أنّهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شدّ الرحل إلى زيارة قبر سيّدنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأنكرنا صورة ذلك، وفي شرح ذلك من الطرفين طول، وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية، ومن جملة ما استدلّ به على دفع ما ادّعاه غيره من الإجماع على مشروعيّة زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله) ما نقل عن مالك أنّه كره أنْ يقول زرت قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وقد أجاب عنه المحقّقون من أصحابه بأنّه كره اللفظ أدباً لا أصل الزيارة، فإنّها من أفضل الأعمال وأجلّ القربات الموصلة إلى ذي الجلال، وإنّ مشروعيتها محلّ إجماع بلا نزاع[١]...انتهى.
ولا أريد التعرّض لسند الحديث ففيه كلام كثير ، عند علماء أهل السنّة ، ولكن بالنظر في متن الحديث ، فإنّ التناقض واضح فيه لمن له اطّلاع على سيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله).
فلقد ثبت أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يشدّ الرحال إلى غير تلك المساجد الثلاثة، ولا يمكن أنْ يأمر رسول الله بأمر ويقوم بمخالفته.
فقد كان يذهب إلى مسجد قباء خارج المدينة المنورة، راكباً وماشياً، بل وأكثر من ذلك، فقد حثّ المسلمين على شدّ الرحال إليه، وندب إلى ذلك .
روى الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يكثر الاختلاف إلى قباء ماشيا وراكبا[٢].
ثمّ انظر كم أعدّ الله من الثواب لمن شدّ الرحال إليه، وهذا لكلّ المسلمين في كل زمان ومكان.
فقد روى الحاكم وابن ماجة والبيهقي عن أسيد بن ظهير أنّ رسول الله
[١] فتح الباري ٣ : ٥٢ - ٥٤. [٢] المستدرك على الصحيحين ١ : ٤٨٧، وأنظر باختلاف يسير في صحيح البخاري ٨ : ١٥٣.