نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٢٦٣
للشخص، فإنّها من أهم ما يشحن القلب بالروحانيات. وممّا يشحذ العقل للتفكر بحقائق الوجود وكلّ ذلك بشرط أنْ يتوفر لدى المسافر القصد الصحيح والنيّة الصادقة، والإخلاص لله تعالى، وأن يكون السفر كحقيقته من أجل العلم والبحث والمعرفة، حتّى يتحقّق الهدف من السفر، ألا وهو الكشف والبيان، كما أنّ السفر بحاجة إلى الرفيق المؤمن الصادق صاحب الحظّ، فكما روى السيوطي وغيره عن معاذ أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: سافروا مع ذوي الجدود وذوي الميسرة[١]. وكما يقال أيضا الرفيق قبل الطريق.
وقد قال المنّاوي في فيض القدير في شرح الحديث : لأنّ السفر يظهر خبايا الطبائع وكوامن الأخلاق وخفايا السجايا، إذ الأبدان إذا تعبت ضعفت القوّة المختلفة في القلّة والكثرة؛ لكون الطبائع تبعثها وتبيّن مقاديرها وزيادة بعضها ونقصان بعض، فتظهر محاسن الأخلاق ومساوئها، لأنّها تميّز الطبائع من القوّة والقوى من الأحوال، والسفر يأتي على مختلف الأهوية والأغذية، فمن سافر مع أهل الجدّ والاحتشام يكلّف رعاية الأدب وتحمّل الأذى وموافقتهم بما يخالف طبعه، فيكون ذلك تأديباً له ورياضة لنفسه فيتهذّب لذلك، ويهتدي إلى تجنّب مساوئ الأخلاق واكتساب محاسنها، وأمّا من سافر مع من دونه، فكلّ من معه يحمل نفسه على موافقته، ويتحمّل المكاره لطاعته، فتحسن أخلاقهم وربّما يسوء خلقه، فإنّ حسن الخلق في تحمّل المكاره[٢].
يقول الحقّ جلّ وعلا في سورة العنكبوت: { قُل سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [٣].
[١] الجامع الصغير ٢ : ٤٠، كنز العمال ٦ : ٧٠٤ عن مسند الفردوس للديلمي. [٢] فيض القدير شرح الجامع الصغير ٤ : ١٠٩ [٣] العنكبوت : ٢٠.