نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٢١
الشعور بالغربة:
في هذا الوقت يشعر المستبصر بالغربة في مجتمعه وبين أهله وعشيرته، ويشعر بالحزن والأسى لكثرة ما يعاين من عقليّات ونفسيّات غريبة، متناقضة مع ما يعرفه عن حبّ المسلم للحقيقة، واستسلامه لأوامر الله تعالى وانقياده لها، ومتناقضة مع ما يعرفه عن المسلمين من حبهم لرسول الله وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام، والتزامهم بطاعتهم، بل على العكس من ذلك، فإنّه يبصر أنّ الحقيقة ليست هي الحقيقة، فكلّ تلك الشعارات من حبّ لله ولرسوله، وشعارات طاعة الله ورسوله، وشعارات الإخلاص وابتغاء ما فيه رضاً لله ولرسوله، لا قيمة لها نهائياً عندهم، بل إنّ الموازين هي الأخرى متناقضة لأمر الله تعالى ونهيه، ومغايرة لنهج رسوله(صلى الله عليه وآله)، ومتضاربة مع العقل والفطرة، فيبدأ الإحساس الشديد بالغربة مع المجتمع والناس، وليس للمؤمن المستبصر في هذه اللحظات إلا إيمانه الشديد، وعزيمته الصادقة، بالإضافة إلى ما يسري عنه في غربته من نصوص شرعيّة تجعله مطمئنّاً عزيزاً شامخاً راسخاً.
روى الترمذيّ والسيوطيّ والطبريّ والقرطبيّ وغيرهم كثير أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: "إنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء يوم القيامة. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين إذا فسد الناس صلحوا ، ثمّ قال: ألا لا غربة على مؤمن، وما مات مؤمن في غربة غائباً عنه بواكيه، إلا بكت عليه السماء والأرض، ثمّ قرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله): { فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُ} [١]، ثمّ قال: ألا إنّهما لا يبكيان على الكافر" [٢].
[١] الدخان : ٢٩. [٢] سنن الترمذي ٤ : ١٢٩، الدر المنثور ٦ : ٣٠، تفسير الطبري ٢٥ : ١٦٢، تفسير القرطبي ١٦ : ١٤٠ - ١٤١ واللفظ للأخير.