نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ١٥٦
كان بالوحي فبالوحي وإلا فبالاجتهاد أيضاً، وفيه حجّة لمن قال بالرجوع إلى الاجتهاد في الشرعيّات.
وقال النووي: اتّفق قول العلماء على أنّ قول عمر " حسبنا كتاب الله " من قوّة فقهه ودقيق نظره؛ لأنّه خشي أنْ يكتب أموراً ربّما عجزوا عنها فاستحقّوا العقوبة لكونها منصوصة، وأراد أنْ لا ينسد باب الاجتهاد على العلماء.
وفي تركه (صلى الله عليه وآله) الإنكار على عمر إشارة إلى تصويبه رأيه، وأشار بقوله : (حسبنا كتاب الله) إلى قوله تعالى: { مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ }[١].
ويحتمل أنْ يكون قصد التخفيف عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لمّا رأى ما هو فيه من شدّة الكرب، وقامت عنده قرينة بأنّ الذي أراد كتابته ليس ممّا لا يستغنون عنه، إذ لو كان من هذا القبيل لم يتركه(صلى الله عليه وآله) لأجل اختلافهم، ولا يعارض ذلك قول ابن عباس : إنّ الرزيّة... إلخ؛ لأنّ عمر كان أفقه منه قطعاً.
وقال الخطابي: لم يتوهم عمر الغلط فيما كان النبي(صلى الله عليه وآله) يريد كتابته، بل امتناعه محمول على أنّه لمّا رأى ما هو فيه من الكرب وحضور الموت خشي أن يجد المنافقون سبيلاً إلى الطعن فيما يكتبه وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق، فكان ذلك سبب توقف عمر، لا أنّه تعمّد مخالفة قول النبيّ(صلى الله عليه وآله) ولا جواز وقوع الغلط عليه حاشا وكلاّ.
وقد تقدّم شرح حديث ابن عبّاس في أواخر كتاب العلم، وقوله: ( وقد ذهبوا يردّون عنه ) يحتمل أن يكون المراد يردون عليه أي يعيدون عليه مقالته ويستثبتونه فيها، ويحتمل أن يكون المراد يردّون عنه القول المذكور على من قاله.
[١] الأنعام : ٣٨.