نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ١٥٤
أفحش وتعقّب بأنّه يستلزم أنْ يكون بسكون الهاء والروايات كلّها إنّما هي بفتحها، وقد تكلّم عياض وغيره على هذا الموضع فأطالوا، ولخّصه القرطبي تلخيصاً حسناً، ثمّ لخصته من كلامه، وحاصله : أنّ قوله هجر، الراجح فيه إثبات همزة الاستفهام وبفتحات على أنّه فعل ماض، قال: ولبعضهم أَهُجْراً بضمّ الهاء وسكون الجيم والتنوين على أنّه مفعول بفعل مضمر، أي : قال هُجراً، والهُجر بالضمّ ثمّ السكون الهذيان، والمراد به هنا ما يقع من كلام المريض الذي لا ينتظم ولا يعتدّ به لعدم فائدته.
ووقوع ذلك من النبيّ(صلى الله عليه وآله) مستحيل؛ لأنّه معصوم في صحّته ومرضه لقوله تعالى: { وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى} [١]. ولقوله(صلى الله عليه وآله): "إنّي لا أقول في الغضب والرضا إلا حقّا". وإذا عرف ذلك فإنّما قاله مَن قاله منكراً على من يوقف في امتثال أمره بإحضار الكتف والدواة، فكأنّه قال: كيف تتوقف أتظنّ أنّه كغيره يقول الهذيان في مرضه؟ امتثل أمره وأحضره ما طلب، فإنّه لا يقول إلا الحقّ، قال: هذا أحسن الأجوبة، قال: ويحتمل أنّ بعضهم قال ذلك عن شكّ عرض له، ولكن يبّعده أنْ لا ينكره الباقون عليه مع كونهم من كبار الصحابة، ولو أنكروه عليه لنقل، ويحتمل أنْ يكون الذي قال ذلك صدر عن دهش وحيرة كما أصاب كثيراً منهم عند موته.
وقال غيره: ويحتمل أن يكون قائل ذلك أراد أنّه اشتدّ وجعه فأطلق اللازم وأراد الملزوم، لأنّ الهذيان الذي يقع للمريض ينشأ عن شدّة وجعه.
وقيل: قال ذلك لإرادة سكوت الذين لغطوا ورفعوا أصواتهم عنده، فكأنّه قال: إنّ ذلك يؤذيه ويفضي في العادة إلى ما ذكر، ويحتمل أنْ يكون قوله
[١] النجم : ٣.