نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ١٤٩
يخالف أمر الله تعالى الذي قال في القرآن الكريم في سورة الحجرات : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} [١].
وسبب نزول هذه الآية وهو كما ذكره البخاري في صحيحه، في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيِّران أن يهلكا: أبو بكر وعمر، لمّا قدم على النبيّ(صلى الله عليه وآله) وفد بني تميم، أشار أحدهما بالأقرع ابن حابس الحنظلي أخي بني مجاشع، وأشار الآخر بغيره، فقال أبو بكر لعمر: إنّما أردتَ خلافي، فقال عمر: ما أردتُ خلافك، فارتفعت أصواتهما عند النبي (صلى الله عليه وآله) فنزلت: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } - إلى قوله - {عظيم}[٢] [٣] .
إذن فرفع الصوت والصراخ والمماراة وترك الاستماع لرسول الله وعدم احترام مجلسه ومعاملته كمعاملة الناس بعضهم لبعض كلّها من الأفعال التي لا تجوز، وهي محبطة للأعمال وموجبة للخسران المبين. ولكن الرواية الآنفة الذكر تخالف الآية، وتُظهر أنّ هذا الأمر المحبط للأعمال أمر طبيعيّ وليس فيه شيء، وربّما يعتبره البعض في زماننا هذا نوع من الديمقراطية النبويّة. ولكنّ وضاعي الحديث قصدوا أكثر من ذلك، فهي إشارة إلى أنّ عدم احترام شخص رسول الله ومجلسه وكلامه ورفع الصوت عنده أمر مشروع؛ لأنّه إنسان عادي مثله مثلهم، وهذا ما يبرّر صراخ أبي بكر وعمر في سبب نزول الآية، ثمّ يبرّر حوادث أخرى لهما ولغيرهما، بل وربّما تحول الصراخ واللغط عند
[١] الحجرات : ٢. [٢] الحجرات : ٢ ــ ٣. [٣] صحيح البخاري ٨: ١٤٥، مسند أحمد ٤: ٦.