العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٢٨ - و خطبة أبي حمزة بالمدينة
بطاعته، و رزقنا و إياكم أداء حقه. ثم نزل.
خطب لأبي حمزة بمكة
خطبهم أبو حمزة الشاري بمكة، فصعد المنبر متوكئا على قوس عربية، فخطب خطبة طويلة، ثم قال:
يأهل مكة، تعيّرونني بأصحابي، تزعمون أنهم شباب، و هل كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إلا شبابا؟نعم الشباب مكتهلين، عمية عن الشر أعينهم، بطيئة عن الباطل أرجلهم، قد نظر اللّه إليهم في آناء الليل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مرّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا إليها، و إذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، قد وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم، أنضاء عبادة، قد أكلت الأرض جباههم و أيديهم و ركبهم، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة الصيام و طول القيام، مستقلون لذلك في جنب اللّه، موفون بعهد اللّه، منجزون لوعد اللّه، [حتى]إذا رأوا سهام العدوّ قد فوّقت [١] ، و رماحهم قد أشرعت، و سيوفهم قد انتضيت، و برقت الكتيبة و رعدت بصواعق الموت-استهانوا بوعيد الكتيبة لوعيد اللّه، فمضى لشاب منهم قدما حتى تختلف رجلاه على عنق فرسه، قد رمّلت [٢] محاسن وجهه الدماء، و عفّر جبينه بالثرى، و أسرع إليه سباع الأرض، و انحطت عليه طير سماء؛ فكم من مقلة في منقار طائر، طالما بكى صاحبها من خشية اللّه، و كم من كف بانت رقيق، قد فلق بعمد الحديد!رحمة اللّه على تلك الأبدان، و أدخل أرواحها الجنان.
ثم قال: الناس منا و نحن منهم، إلا عابد وثن، أو كفرة أهل الكتاب، و إماما جائرا، أو شادّا على عضده.
و خطبة أبي حمزة بالمدينة
قال مالك بن أنس رحمه اللّه: خطبنا أبو حمزة خطبة شك فيها المستبصر و ردّت المرتاب، قال:
[١] فوّق السهم: عمل له فوقا، و الفوق أي باحدى طرفي السهم ميل و انكسار.
[٢] رمّلت: لطّخت.