العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٤ - لبعضهم في المدح
قولهم في المدح
لبعضهم في المدح:
ذكر أعرابي قوما عبادا، فقال: تركوا و اللّه النعيم ليتنعموا؛ لهم عبرات متدافعة، و زفرات متتابعة، لا تراهم إلا في وجه وجيه عند اللّه.
و ذكر أعرابيّ قوما فقال: أدّبتهم الحكمة و أحكمتهم التجارب؛ فلم تغرّهم السلامة المنطوية على الهلكة، و رحل عنهم التسويف الذي به قطع الناس مسافة آجالهم: فدلّت ألسنتهم بالوعد، و انبسطت أيديهم بالوجد [١] فأحسنوا المقال، و شفعوه بالفعال.
و سئل أعرابي عن قوم فقال: كانوا إذا اصطفوا سفرت [٢] بينهم السهام؛ و إذا تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها؛ فرب يوم عارم [٣] قد أحسنوا أدبه، و حرب عبوس قد ضاحكتها أسنتهم؛ إنما قومي البحر. ما ألقمته التقم.
و ذكر أعرابي قوما فقال: ما رأيت أسرع[منهم]إلى داع بليل على فرس حسيب [٤] و جمل نجيب. ثم لا ينتظر الأول السابق الآخر اللاحن.
و ذكر أعرابي قوما فقال: جعلوا أموالهم مناديل أعراضهم. فالخير بهم زائد، و المعروف لهم شاهد؛ فيعطونها بطيبة أنفسهم إذا طلبت إليهم. و يباشرون المعروف بإشراق الوجوه إذا بغي لديهم.
و ذكر أعرابي قوما فقال: و اللّه ما أنالوا شيئا بأطراف أناملهم إلا وطئناه بأخامص أقدامنا؛ و إن أقصى هممهم لأدنى فعالنا.
و ذكر أعرابي أميرا فقال: إذا ولى يطابق بين جفونه، و أرسل العيون على عيونه؛ فهو غائب عنهم شاهد معهم، فالمحسن راج و المسيء خائف.
[١] الوجد: اليسار و السعة.
[٢] أي كانت السهام بينهم سفراء.
[٣] عارم: شديد.
[٤] الحسيب: ذو الحسب.