العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٦ - و خطبة أيضا لمعاوية
اصبر يزيد فقد فارقت ذا مقة # و اشكر حباء الذي بالملك حاباكا
لا رزء أعظم في الأقوام قد علموا # ممّا رزئت و لا عقبى كعقباكا
أصبحت راعي أهل الدين كلّهم # فأنت ترعاهم و اللّه يرعاكا
و في معاوية الباقي لنا خلف # أمّا نعيت فلا يسمع بمنعاكا
قال فانفتح الخطباء بالكلام.
و خطبة أيضا لمعاوية
و لما مرض معاوية مرض وفاته قال لمولى له: من بالباب؟قال: نفر من قريش يتباشرون بموتك!قال: ويحك!لم؟فو اللّه ما لهم بعدي إلا الذي يسوؤهم و أذن للناس فدخلوا، فحمد اللّه و أثنى عليه و أوجز، ثم قال:
أيها الناس، إنا قد أصبحنا في دهر عنود، و زمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئا، و يزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا، و لا نسأل عما جهلنا، و لا نتخوّف قارعة حتى تحل بنا، فالناس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه، و كلال حده، و نضيض وفره؛ و منهم المصلت لسيفه، المجلب برجله، المعلن بشرّه؛ قد أشرط [١] نفسه، و أوبق دينه [٢] : لحطام ينتهزه، أو مقنب [٣] يقوده، أو منبر يفرعه [٤] ؛ و لبئس المتجر أن تراهما لنفسك ثمنا، و مما لك عند اللّه عوضا- و منهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، و لا يطلب الآخرة بعمل الدنيا؛ قد طامن من شخصه، و قارب من خطوه، و شمر عن ثوبه، و زخرف نفسه للأمانة، و اتخذ ستر اللّه ذريعة إلى المعصية؛ و منهم من أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه، و انقطاع سببه، فقصرت به الحال عن أمله؛ فتحلى باسم القناعة، و تزيّا بلباس الزهادة؛ و ليس من ذلك في مراح و لا مغدى؛ و بقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، و أراق دموعهم
[١] أشرط: أعلم.
[٢] أوبق: أهلك.
[٣] المقنب: الجماعة من الخيل.
[٤] يقرعه: يعلوه.