العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٥٧ - خبر حائك الكلام
إملائه؛ فقال له: اكتب يا حمار!فقال له الكاتب: أصلح اللّه الأمير، إنه لما هطلت شآبيب الكلام، و تدافعت سيوله على حرف القلم، كلّ القلم عن إدراك ما وجب عليه تقييده. فكان حضور جواب الكاتب أبلغ من بلاغة يزيد.
و قال له يوما و قد مط حرفا في غير موضعه: ما هذا؟قال: طغيان في القلم.
ما يحتاج إليه الكاتب:
فإن كان لا بدّ لك من طلب أدوات الكتابة، فتصفح من رسائل المتقدمين ما يعتمد عليه، و من رسائل المتأخرين ما يرجع إليه، و من نوادر الكلام ما تستعين به، و من الأشعار و الأخبار و السير و الأسمار ما يتسع به منطقك، و يطول به قلمك؛ و انظر في كتب المقامات و الخطب، و مجاوبة العرب، و معالى العجم، و حدود المنطق و أمثال الفرس و رسائلهم و عهودهم، و سيرهم، و وقائعهم، و مكايدهم في حروبهم بعد أن تكون متوسطا علم النحو و الغريب، و الوثائق و السور، و كتب السجلات و الأمانات؛ لتكون ماهرا، تنتزع آي القرآن في مواضعها؛ و اختلاف الأمثال في أماكنها؛ و قرض الشعر الجيد و علم العروض؛ فإن تضمين المثل السائر، و البيت الغابر البارع، مما يزين كتابك، ما لم تخاطب خليفة أو ملكا جليل القدر فإن اجتلاب الشعر في كتب الخلفاء عيب، إلا أن يكون الكاتب هو القارض للشعر و الصانع له، فإن ذلك يزيد في أبّهته.
خبر حائك الكلام
أبو جعفر البغدادي قال: حدثنا عثمان بن سعيد قال: لما رجع المعتصم من الثغر و صار بناحية الرقة، قال لعمرو بن مسعدة: ما زلت تسألني في الرّخّجي [١] حتى وليته
[١] الرخجي: نسبة إلى رخج.