العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣٨ - ربيعة الرأي و أعرابي
العرب و الإيجاز:
و لم أجد أحدا من السلف يذمّ الإيجاز و يقدح فيه، و لا يعيبه و يطعن عليه و تحب العرب التخفيف و الحذف، و لهربها من التثقيل و التطويل، كان قصر الممدود أحب إليها من مدّ المقصور، و تسكين المتحرك أخفّ عليها من تحريك الساكن لأن الحركة عمل و السكون راحة.
و من كلام العرب الاختصار و الإطناب، و الاختصار عندهم أحمد في الجملة، و إن كان للإطناب موضع لا يصلح إلا له، و قد تومئ إلى الشيء فتستغني عن التفسير بالإيماء، كما قالوا: لمحة دالّة.
جعفر و كتابه لابن مسعدة:
كتب عمرو بن مسعدة إلى ضمرة الحروري كتابا، فنظر فيه جعفر بن يحيى فوقع في ظهره؛ إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرا، و إذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيّا.
مروان و كتاب لقائد:
و بعث إلى مروان بن محمد قائد من قواده بغلام أسود، فأمر عبد الحميد الكاتب أن يكتب إليه يلحاه [١] و يعنفه، فكتب و أكثر، فاستثقل ذلك مروان، و أخذ الكتاب فوقع في أسفله: أما إنك لو علمت عددا أقل من واحد، و لونا شرّا من أسود، لبعثت به.
ربيعة الرأي و أعرابي:
و تكلم ربيعة الرأي فأكثر، و أعجبه إكثاره، فالتفت إلى أعرابيّ إلى جنبه فقال له:
ما تعدون البلاغة عندكم يا أعرابي؟قال له: حذف الكلام، و إيجاز الصواب. قال: فما
[١] يلحاه: يلومه و يعذله.