العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٧١ - ما يجوز في الكتابة و ما لا يجوز فيها
و قد رأيتهم شبهوا المعنى الخفيّ بالروح الخفي، و اللفظ الظاهر بالجثمان الظاهر؛ و إذا لم ينهض بالمعنى الشريف الجزل لفظ شريف جزل، لم تكن العبارة واضحة، و لا النظام متسقا، و تضاءل المعنى الحسن تحت المعنى القبيح، كتضاؤل الحسناء في الأطمار الرثة.
و إنما يدل على المعنى أربعة أصناف: لفظ، و إشارة، و عقد، و خط؛ و قد ذكر له أرسطاطاليس صنفا خامسا في كتاب المنطق، و هو الذي يسمى النّصيبة [١] ، و النّصيبة الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف الأربعة، و هي الناطقة بغير لفظ، و المشيرة إليك بغير يد؛ و ذلك ظاهر في خلق السموات و الأرض و كل صامت و ناطق. و جميع هذه الأصناف الخمسة كاشفة عن أعيان المعاني و سافرة عن وجوهها.
و أوضح هذه الدلائل و أفصح هذه الأصناف صنفان: هما القلم و اللسان، و كلاهما للقلب ترجمان!فأمّا اللسان فهو الآلة التي يخرج الإنسان بها عن حدّ الاستبهام، إلى حدّ الإنسانية بالكلام؛ و لذلك قال صاحب المنطق: حدّ الإنسان، الحيّ الناطق.
و قال هشام بن عبد الملك: إن اللّه رفع درجة اللسان فأنطقه بين الجوارح.
و قال علي بن عبيدة: إنما يبين عن الإنسان، اللسان و عن المودّة العينان.
و قال آخر: الرجل مخبوء تحت لسانه.
و قالوا: المرء بأصغريه: قلبه و لسانه.
و قال الشاعر:
و ما المرء إلا الأصغران: لسانه # و معقوله، و الجسم خلق مصوّر [٢]
فإن طرّة راقتك يوما فربّما # يمرّ مذاق العود و العود أخضر
و للخط صورة معروفة، و حلية موصوفة، و فضيلة بارعة. ليست لهذه الأصناف؛ لأنه يقوم مقامه في الإيضاح عند المشهد و يفضله عند المغيب؛ لأنّ الكتب تقرأ في
[١] النصيبة: كل ما نصب فجعل علما.
[٢] الطرة: الهيئة الحسنة.