العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٠ - خطبة هارون الرشيد
و المغبون فيها من باع حظّه من دار آخرته بها؛ فاللّه عباد اللّه و التوبة مقبولة، و الرحمة مبسوطة؛ و بادروا بالأعمال الزكية في هذه الأيام الخالية قبل أن يؤخذ بالكظم [١] ، و تندموا فلا تقالون بالندم، في يوم حسرة و تأسّف و كآبة و تلهّف؛ يوم ليس كالأيام، و موقف ضنك المقام، إن أحسن الحديث و أبلغ الموعظة كتاب اللّه؛ يقول اللّه تبارك و تعالى: وَ إِذََا قُرِئَ اَلْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [٢] .
أعوذ باللّه العظيم من الشيطان الرجيم! بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ `أَلْهََاكُمُ اَلتَّكََاثُرُ `حَتََّى زُرْتُمُ اَلْمَقََابِرَ. `كَلاََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ. `ثُمَّ كَلاََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ. `كَلاََّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ `لَتَرَوُنَّ اَلْجَحِيمَ. `ثُمَّ لَتَرَوُنَّهََا عَيْنَ اَلْيَقِينِ. `ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ اَلنَّعِيمِ [٣] .
أوصيكم عباد اللّه بما أوصاكم اللّه به، و أنهاكم عما نهاكم اللّه عنه، و أرضى لكم طاعة اللّه، و أستغفر اللّه لي و لكم.
خطبة هارون الرشيد
الحمد للّه؛ نحمده على نعمه، و نستعينه على طاعته، و نستنصره على أعدائه، و نؤمن به حقا، و نتوكل عليه مفوّضين إليه؛ و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له؛ و أشهد أن محمدا عبده و رسوله. بعثه اللّه على فترة من الرسل، و دروس من العلم، و إدبار من الدنيا، و إقبال من الآخرة؛ بشيرا بالنعيم المقيم؛ و نذيرا بين يدي عذاب أليم، فبلّغ الرسالة، و نصح الأمّة، و جاهد في اللّه، فأدّى عن اللّه وعده و وعيده حتى أتاه اليقين؛ فعلى النّبي من اللّه صلاة و رحمة و سلام.
أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه؛ فإن في التقوى تكفير السيئات، و تضعيف الحسنات، و فوزا بالجنة، و نجاة من النار؛ و أحذركم يوما تشخص فيه الأبصار، و تبلى فيه الأسرار، يوم البعث و يوم التغابن، و يوم التلاقي و يوم التنادي، يوم لا يستعتب من سيئة و لا يزداد من حسنة؛ يَوْمَ اَلْآزِفَةِ، إِذِ اَلْقُلُوبُ لَدَى اَلْحَنََاجِرِ كََاظِمِينَ مََا
[١] الكظم: الحلق أو الفم أو مخرج النفس.
[٢] سورة الأعراف الآية ٢٠٤.
[٣] سورة التكاثر الآية ١-٨.