العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧١ - لبعض الأعراب في الحج
و كاد يقتلني يوما بذي خشب # و كاد يقتلني يوما بسلمان
فقال: هذا رجل أفلت من الموت أربع مرات!لا يموت هذا أبدا.
الشيباني قال: بلغني أن أعرابيين ظريفين من شياطين العرب حطمتهما سنة، فانحدار إلى العراق؛ فبينما هما يتماشيان في السوق-و اسم أحدهما خندان-إذا فارس قد أوطأ دابته رجل خندان، فقطع إصبعا من أصابعه، فتعلقا به حتى أخذا أرش [١]
الإصبع، و كانا جائعين مقرورين، فلما صار المال بأيديهما قصدا إلى بعض الكرايج [٢] ، فابتاعا من الطعام ما اشتهيا، فلما شبع صاحب خندان أنشأ يقول:
فلا غرثة ما دام في الناس كربج # و ما بقيت في رجل خندان إصبع [٣]
أعرابية و ابنها:
و هذا شبيه قول أعرابية في ابنها، و كان لها ابن شديد العرام [٤] ، كثير القتال للناس، مع ضعف أسر ورقة عظم، فواثب مرة فتى من الأعراب، فقطع الفتى أنفه، فأخذت أمّه دية أنفه؛ فحسن حالها بعد فقر مدقع؛ ثم واثب آخر، فقطع أذنه؛ ثم أخذت دية أذنه فزادت في المال و حسن الحال؛ ثم واثب آخر فقطع شفته؛ ثم أخذت دية شفته؛ فلما رأت ما صار عندها من الإبل و البقر و الغنم و المتاع بجوارح ابنها، ذكرته في أرجوزة لها تقول فيها:
أحلف بالمروة حقّا و الصّفا # أنك خير من تفاريق العصا
فقلت لأعرابي: ما تفاريق العصا؟قال: العصا تقطع ساجورا، ثم يقطع الساجور أوتادا، ثم تقطع الأوتاد أشظّة.
لبعض الأعراب في الحج:
الأصمعي قال: خرج أعرابي إلى الحج مع أصحاب له، فلما كان ببعض الطريق
[١] الأرش: الدية.
[٢] الكرايج: الحوانيت.
[٣] غرّثة: جوّعه؛ و الغرثة: الجوع.
[٤] العرام: الشراسة.