العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٦ - قول الأعراب في الدعاء
التفت فقال: أيها المشفقون، ارحموا من شملته الخطايا، و غمرته البلايا، ارحموا من قطع البلاد، و خلف ما ملك من التلاد [١] ؛ ارحموا من و بخته الذنوب، و ظهرت منه العيوب؛ ارحموا أسير ضرّ، و طريد فقر. أسألكم بالذي أعملتكم الرغبة إليه، إلا ما سألتم اللّه أن يهب لي عظيم جرمي. ثم وضع في حلقة الباب خدّه و قال: ضرع خدّي لك، و ذل مقامي بين يديك، ثم أنشأ يقول:
عظيم الذنب مكروب # من الخيرات مسلوب
و قد أصبحت ذا فقر # و ما عندك مطلوب
العتبي قال: سمعت أعرابيا بعرفات عشية عرفة و هو يقول: اللهم إن هذه عشية من عشايا محبتك، و أحد أيام زلفتك، يأمل فيها من لجأ إليك من خلقك، أن لا يشرك بك شيئا بكل لسان فيها يدعى، و لكل خير فيها يرجى؛ أتتك العصاة من البلد السحيق، ودعتك العناة من شعب المضيق؛ رجاء ما لا خلف له من وعدك، و لا انقطاع له من جزيل عطائك؛ أبدت لك وجوهها المصونة، صابرة على وهج السمائم [٢] ، و برد الليالي، ترجو بذلك رضوانك؛ يا غفار، يا مستزادا من نعمه، و مستعاذا من نقمه، ارحم صوت حزين دعاك بزفير و شهيق. ثم بسط كلتا يديه إلى السماء، و قال: اللهم إن كنت بسطت يدي إليك راغبا، فطالما كفيتنيه؛ ساهيا بنعمتك التي تظاهرت عليّ عند الغفلة، فلا أيأس منها عند التوبة: و لا تقطع رجائي منك لما قدمت من اقتراف، وهب لي الإصلاح في الولد، و الأمن في البلد، و العافية في الجسد، إنك سميع مجيب.
و دعا أعرابي فقال: يا عماد من لا عماد له، و يا ركن من لا ركن له، و يا مجير الضعفاء، و يا منقذ الهلكى، و يا عظيم الرجاء، أنت الذي سبح لك سواد الليل و بياض النهار، وضوء القمر و شعاع الشمس، و حفيف الشجر و دوي الماء؛ يا محسن، يا مجمل، يا مفضل، لا أسألك الخير بخير هو عندك، و لكني أسألك برحمتك، فاجعل العافية لي
[١] التلاد: المال الأصلي القديم.
[٢] السمائم: جمع سموم، و هي الريح الحارة.