العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٥٦ - بين يزيد و كاتب له
خرطومها رقيق. قال العتابي: فبقي الأصمعي باهتا إليّ ضاحكا لا يحير مسألة و لا جوابا.
من صفات الكاتب:
و لا يكون الكاتب كاتبا حتى لا يستطيع أحد تأخير أوّل كتابه و تقديم آخره.
و أفضل الكتاب ما كان في أول كتابه دليل على حاجته، كما أن أفضل الأبيات ما دل أول البيت على قافيته؛ فلا تطيلنّ صدر كتابك إطالة تخرجه عن حدّه، و لا تقصر به دون حدّه؛ فإنهم قد كرهوا في الجملة أن تزيد صدور كتب الملوك على سطرين أو ثلاثة أو ما قارب ذلك.
و قيل للشعبي: أي شيء تعرف به عقل الرجل؟قال: إذا كتب فأجاد.
و قال الحسن بن وهب: الكاتب نفس واحدة، تجزأت في أبدان متفرقة.
فأمّا الكاتب المستحقّ اسم الكتابة، و البليغ المحكوم له بالبلاغة، من إذا حاول صيغة كتاب، سالت عن قلمه عيون الكلام من ينابيعها، و ظهرت معادنها و ندرت من مواطنها من غير استكراه و لا اغتصاب.
بين العتابي و صديق له:
بلغني أن صديقا لكلثوم العتابي أتاه يوما فقال له: اصنع لي رسالة. فاستمد مدة ثم علق القلم؛ فقال له صاحبه: ما أرى بلاغتك إلا شاردة عنك. فقال له العتابي: إني لما تناولت القلم تداعت عليّ المعاني من كل جهة، فأحببت أن أترك كل معنى حتى يرجع إلى موضعه؛ ثم أجتني لك أحسنها.
بين يزيد و كاتب له:
قال أحمد بن محمد: كنت عند يزيد بن عبد اللّه أخي ذبيان، و هو يملي على كاتب له؛ فأعجل الكاتب و دارك في الإملاء عليه، فتلجلج لسان قلم الكاتب عن تقييد