العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٢ - خطب علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه
الحمد للّه رب العالمين، و صلى اللّه على سيدنا محمد خاتم النبيين و آخر المرسلين، أمّا بعد؛ فإنّ اللّه بعث محمدا عليه الصلاة و السلام إلى الثقلين كافة، و الناس في اختلاف، و العرب بشرّ المنازل، مستضيئون للثاءات [١] بعضهم على بعض، فرأب اللّه به الثّأي، و لأم به الصدع، و رتق به الفتق، و أمّن به السبل، و حقن به الدماء، و قطع به العداوة الواغرة للقلوب، و الضغائن المخشنة للصدور؛ ثم قبضه اللّه عز و جل مشكورا سعيه، مرضيّا عمله، مغفورا ذنبه، كريما عند ربه نزله؛ فيا لها مصيبة عمّت المسلمين، و خصّت الأقربين؛ و ولى أبو بكر، فسار بسيرة رضيها المسلمون؛ ثم ولى عمر، فسار بسيرة أبي بكر رضي اللّه عنهما؛ ثم ولي عثمان، فنال منكم و نلتم منه، حتى إذا كان من أمره ما كان أتيتموه فقتلتموه، ثم أتيتموني فقلتم لي: بايعنا!فقلت لكم:
لا أفعل!و قبضت يدي فبسطتموها، و نازعتم كفي فجذبتموها، و قلتم: لا نرضى إلا بك، و لا نجتمع إلا عليك!و تداككتم [٢] عليّ تداكك الإبل الهيم [٣] على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتلي، و أن بعضكم قاتل بعض؛ فبايعتموني، و بايعني طلحة و الزبير، ثم ما لبثا أن استأذناني للعمرة فسارا إلى البصرة فقتلا بها المسلمين و فعلا الأفاعيل، و هما يعلمان و اللّه أني لست بدون واحد ممن مضى، و لو أشاء أن أقول لقلت؛ اللهم إنهما قطعا قرابتي، و نكثا بيعتي، و ألبا عليّ عدوّي؛ اللهم فلا تحكم لهما ما أبرما، و أرهما المساءة فيما عملا و أملا! و مما حفظ عنه بالكوفة على المنبر: قال نافع بن كليب: دخلت الكوفة للتسليم على أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه، فإني لجالس تحت منبره، و عليه عمامة سوداء، و هو يقول: انظروا هذه الحكومة، فمن دعا إليها فاقتلوه و إن كان تحت عمامتي هذه! فقال له عدي بن حاتم: قلت لنا أمس: من أبى عنها فاقتلوه. و تقول لنا اليوم: من دعا إليها فاقتلوه!و اللّه ما ندري ما نصع بك؟و قام إليه رجل أحدب من أهل العراق فقال: أمرت بها أمس و تنهى عنها اليوم، فأنت كما قال الأول: آكلك و أنا أعلم ما أنت. فقال علي: إلي يقال هذا.
[١] الثأي: الإفساد.
[٢] تداككتم: تزاحمتم.
[٣] الهيم: العطاش.