العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٦ - خطبة للامام علي كرم اللّه وجهه
و نصلح سلاحنا؛ ثم دعوناهم إلى الإسلام و الدخول فيه، فأبعدوا منه، فسألناهم الجزية عن صغار أو الصلح، فكانت هذه أبعد؛ فأقمنا عليهم ثلاث عشرة ليلة، نتأنّاهم و تختلف رسلنا إليهم، فلما يئس منهم، قام خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر فضل الجهاد و ما لصاحبه إذا صبر و احتسب، ثم نهضنا إلى عدونا و قاتلناهم أشدّ القتال يومنا ذلك، و صبر فيه الفريقان، فكانت بيننا و بينهم قتلى كثيرة، و استشهد اللّه فيهم رجالا من المسلمين، فبتنا و باتوا و للمسلمين دويّ بالقرآن كدويّ النحل، و بات المشركون في خمورهم و ملاعبهم؛ فلما أصبحنا أخذنا مصافنا التي كنا عليها بالأمس، فزحف بعضنا على بعض، فأفرغ اللّه علينا صبره و أنزل علينا نصره، ففتحناها من آخر النهار، فأصبنا غنائم كثيرة، و فيئا واسعا، بلغ فيه الخمس خمسمائة ألف؛ فصفق [١] عليها مروان بن الحكم، فتركت المسلمين قد قرت أعينهم و أغناهم النفل، و أنا رسولهم إلى أمير المؤمنين أبشّره و إياكم بما فتح اللّه من البلاد، و أذلّ من الشّرك؛ فاحمدوا اللّه عباد اللّه على آلائه و ما أحل بأعدائه من بأسه الذي يردّ عن القوم المجرمين.
ثم سكت فنهض إليه أبوه الزبير فقبل بين عينيه و قال: ذرية بعضها من بعض و اللّه سميع عليم. يا بني: ما زلت تنطق بلسان أبي بكر حتى صمتّ.
خطبة للامام علي كرم اللّه وجهه
جاء رجل إلى عليّ كرم اللّه وجهه فقال: يا أمير المؤمنين، صف لنا ربنا، لنزداد له محبة، و به معرفة. فغضب عليّ كرّم اللّه وجهه، ثم نادى: الصلاة جامعة.
فاجتمع الناس إليه حتى غص المسجد بأهله؛ ثم صعد المنبر و هو مغضب متغير اللون، فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثم صلى على النبي محمد صلّى اللّه عليه و سلم، ثم قال:
و الحمد للّه الذي لا يفره المنع، و لا يكديه الإعطاء، بل كل معط ينقص سواه؛
[١] أي حفظها في خزانته.