العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١٠ - خطبة الحجاج
أيها الناس، إن اللّه تبارك و تعالى نعى نبيّكم صلّى اللّه عليه و سلم إلى نفسه فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [١] ؛ و قال: وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىََ أَعْقََابِكُمْ [٢] ؟فمات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و مات الخلفاء الراشدون المهتدون المهديون، منهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان الشهيد المظلوم، ثم تبعهم معاوية؛ ثم وليكم البازل الذكر الذي جرّبته الأمور، و أحكمته التجارب مع الفقه و قراءة القرآن، و المروءة الظاهرة، و اللين لأهل الحق، و الوطء لأهل الزيغ؛ فكان رابعا من الولاة المهديين الراشدين؛ فاختار اللّه له ما عنده، و ألحقه بهم، و عهد إلى شبهه في العقل و المروءة و الحزم و الجلد و القيام بأمر اللّه و خلافته؛ فاسمعوا له و أطيعوه.
أيها الناس؛ إياكم و الزّيغ [٣] ؛ فإن الزيغ لا يحيق إلا بأهله، و رأيتم سيرتي فيكم، و عرفت خلافكم، و قبلتكم على معرفتي بكم؛ و لو علمت أنّ أحدا أقوى عليكم مني، أو أعرف بكم، ما وليتكم؛ فإياي و إياكم؛ من تكلم قتلناه؛ و من سكت مات بدائه غما!ثم نزل.
خطبة الحجاج
لما أصيب بولده محمد و أخيه محمد:
أيها الناس، محمّدان في يوم واحد!أما و اللّه لقد كنت أحبّ أنهما معي في الدنيا مع ما أرجو لهما من ثواب اللّه في الآخرة؛ و ايم اللّه ليوشكن الباقي مني و منكم أن يفنى، و الجديد مني و منكم أن يلي، و الحيّ مني و منكم أن يموت؛ و أن تدال الأرض منا كما أدلنا منها؛ فتأكل من لحومنا؛ و تشرب من دمائنا؛ كما مشينا على ظهرها، و أكلنا من ثمارها، و شربنا من مائها؛ ثم يكون كما قال اللّه: وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَإِذََا هُمْ مِنَ اَلْأَجْدََاثِ إِلىََ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [٤] . ثم تمثل بهذين البيتين:
[١] سورة الزمر الآية ٣٠.
[٢] سورة آل عمران الآية ١٤٤.
[٣] الزيغ: الميل عن الحق.
[٤] سورة يس الآية ٥١.