العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٠ - خطب معاوية
الخامسة الصبر، فإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد؛ من لا صبر له لا إيمان له، و من لا رأس له لا جسد له: و لا خير في قراءة إلا بتدبّر و لا في عبادة إلا بتفكّر، و لا في حلم إلا بعلم؛ أ لا أنبئكم بالعالم كل العالم؟من لم يزين لعباد اللّه معاصي اللّه، و لم يؤمّنهم مكره، و لم يؤيسهم من روحه. لا تنزلوا المطيعين الجنة و لا المذنبين الموحدين النار حتى يضي اللّه فيهم بأمره؛ و لا تأمنوا على خير هذه الأمة عذاب اللّه؛ فإنه يقول: فَلاََ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْخََاسِرُونَ [١] و لا تقنطوا شر هذه الأمة من رحمة اللّه، ف إِنَّهُ لاََ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكََافِرُونَ [٢] .
و من كلامه رضوان اللّه عليه: قال ابن عبّاس: لما فرغ عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه من وقعة الجمل، دعا بآجرّتين فعلاهما، ثم حمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:
يا أنصار المرأة و أصحاب البهيمة!رغا فأجبتم و عقر فهربتم؛ دخلت شرّ بلاد [أقربها من الماء، و]أبعدها من السماء. بها يغيض كل ماء، و لها شرّ أسماء: هي البصرة، و البصيرة، و المؤتفكة، و تدمر. أين ابن عبّاس؟فدعيت. فقال لي: مر هذه المرأة فلترجع إلى بيتها الذي أمرت أن تقرّ فيه.
و تمثل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه بعد الحكمين:
زللت فيكم زلّة فأعتذر # سوف أكيس بعدها و أشتمر [٣]
و أجمع الأمر الشّتيت المنتشر
خطب معاوية
قال القحذمي: لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقّاه رجال قريش فقالوا: الحمد للّه الذي أعز نصرك، و أعلى كعبك. قال: فو اللّه ما ردّ عليهم شيئا حتى صعد المنبر؛ فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:
[١] سورة الأعراف الآية ٩٩.
[٢] سورة يوسف الآية ٨٧.
[٣] الكيس: العقل.