العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٩ - خطب علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه
مخلى بمفظعات من الأمور، و تحت مسألة منكر و نكير، مع ظلمة و ضيق و وحشة قبر، فذاك مثواه حتى يبلى جسده و يصير ترابا؛ حتى إذا بلغ الأمر إلى مقداره، و ألحق آخر الخلق بأوله، و جاءه أمر من خالقه، أراد به تجديد خلقه-أمر بصوت من سماواته فمارت السموات مورا [١] ، و فزع من فيها، و بقي ملائكتها على أرجائها، ثم وصل الأمر إلى الأرض، و الخلق رفات لا يشعرون فأرج أرضهم و أرجفها و زلزلها، و قلع جبالها و نسفها و سيّرها، و دكّ بعضها بعضا من هيبته و جلاله، و أخرج من فيها فجدّدهم بعد بلائهم، و جمعهم بعد تفرّقهم، يريد أن يحصيهم و يميزهم، فريقا في ثوابه، و فريقا في عقابه، فخلد الأمر لأبده، دائما خيره و شره، ثم لم ينس الطاعة من المطيعين، و لا المعصية من العاصين، فأراد عز و جل أن يجازي هؤلاء، و ينتقم من هؤلاء، فأثاب أهل الطاعة بجواره، و حلول داره، و عيش رغد، و خلود أبد، و مجاورة للرب، و موافقة محمد صلّى اللّه عليه و سلم، حيث لا ظعن و لا تغيّر؛ و حيث لا تصيبهم الأحزان، و لا تعترضهم الأخطار؛ و لا تشخصهم [٢] الأسفار؛ و أما أهل المعصية فخلدهم في النار، و أوثق منهم الأقدام و غلّ منهم الأيدي إلى الأعناق؛ في لهب قد اشتد حره، و نار مطبقة على أهلها لا يدخل عليها بها روح، همّهم شديد، و عذابهم يزيد، و لا مدة للدار تنقضي، و لا أجل للقوم ينتهي.
اللهم إني أسألك بأن لك الفضل و الرحمة بيدك، فأنت وليهما لا يليهما أحد غيرك، و أسألك باسمك لمخزون المكنون، الذي قام به عرشك و كرسيّك و سماواتك و أرضك، و به ابتدعت خلقك-الصلاة على محمد، و النجاة من النار برحمتك، آمين؛ إنك وليّ كريم.
و خطب أيضا فقال: أيها الناس احفظوا عني خمسا فلو شددتم إليها المطايا حتى تنضوها لم تظفروا بمثلها: ألا لا يرجونّ أحدكم إلا ربّه، و لا يخافنّ إلا ذنبه و لا يستحي أحدكم إذا لم يعلم أن يتعلم، و إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، ألا و إن
[١] المور: الاضطراب.
[٢] يقال شخص من بلده: أي خرج. و شخص اليه: رجع.