العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨٩ - خطبة المهدي
و أمجّده لبلائه، و أستعينه و أومن به، و أتوكل عليه توكّل راض بقضائه، و صابر لبلائه؛ و أشهد أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده المصطفى، و نبيه المجتبى، و رسوله إلى خلقه، و أمينه على وحيه؛ أرسله بعد انقطاع الرجاء، و طموس العلم، و اقتراب من الساعة، إلى أمّة جاهلية، مختلفة أمية، أهل عداوة و تضاغن، و فرقة و تباين، قد استهوتهم شياطينهم، و غلب عليهم قرناؤهم، فاستشعروا الرّدى، و سلكوا العمى، يبشّر من أطاعه بالجنة و كريم ثوابها، و ينذر من عصاه بالنار و أليم عقابها لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىََ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اَللََّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [١] .
أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه، فإن الاقتصار عليها سلامة، و الترك لها ندامة؛ و أحثّكم على إجلال عظمته، و توقير كبريائه و قدرته، و الانتهاء إلى ما يقرّب من رحمته و ينجي من سخطه، و ينال به ما لديه من كريم الثواب؛ و جزيل المآب؛ فاجتنبوا ما خوّفكم اللّه من شديد العقاب، و أليم العذاب، و وعيد الحساب؛ يوم توقفون بين يدي الجبار، و تعرضون فيه على النار يوم لاََ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاََّ بِإِذْنِهِ.
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ [٢] ؛ يَوْمَ يَفِرُّ اَلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، `وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ، `وَ صََاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ.
لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [٣] ؛ يوم لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لاََ يُقْبَلُ مِنْهََا عَدْلٌ وَ لاََ تَنْفَعُهََا شَفََاعَةٌ وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ [٤] ؛ يوم لاََ يَجْزِي وََالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَ لاََ مَوْلُودٌ هُوَ جََازٍ عَنْ وََالِدِهِ شَيْئاً؛ إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ فَلاََ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا وَ لاََ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللََّهِ اَلْغَرُورُ [٥] ؛ فإن الدنيا دار غرور، و بلاء و شرور، و اضمحلال و زوال، و تقلّب و انتقال؛ قد أفنت من كان قبلكم، و هي عائدة عليكم و على من بعدكم؛ من ركض إليها صرعته، و من وثق بها خانته؛ و من أملها كذبته، و من رجاها خذلته؛ عزّها و غناها فقر؛ و السعيد من تركها، و الشقيّ فيها من آثرها،
[١] سورة الأنفال الآية ٤٢.
[٢] سورة هود الآية ١٠٥.
[٣] سورة عبس الآية ٣٤.
[٤] سورة البقرة الآية ١٢٣.
[٥] سورة لقمان الآية ٣٣.