العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٦٦ - ما يجوز في الكتابة و ما لا يجوز فيها
أ ما تراني كيّسا مكيّسا # بنيت بعد نافع مخيّسا [١]
حصنا حصينا و أميرا كيّسا
و قال الشاعر:
ما يصنع الأحمق المرزوق بالكيس
و كذلك تعلم أن الصلاة رحمة، غير أنهم كرهوا الصلاة إلا على الأنبياء.
كذلك روينا عن ابن عباس.
و سمع سعد بن أبي وقاص ابن أخ له يلبّي و يقول في تلبيته: لبّيك يا ذا المعارج.
فقال: نحن نعلم أنه ذو المعارج، و لكن ليس كذا كنا نلبي على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، إنما كنا نقول: لبّيك اللهم لبيك.
و كان أبو إبراهيم المزني يقول في بعض ما خطب به داود بن خلف الأصبهاني:
«فإن قال كذا فقد خرج عن الملة و الحمد للّه» فنقض ذلك عليه داود، و قال فيما ردّ عليه: نحمد اللّه على أن يخرج امرأ مسلما من الإسلام؟و هذا موضع استرجاع، و للحمد مكان يليق به، و إنما يقال في المصيبة: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ [٢] .
فامتثل هذه المذاهب، و اجر على هذه القواعد، و تحفظ في صدور كتبك و فصولها[و افتتاحها]و خواتمها وضع كلّ معنى في موضع يليق به، و تخيّر لكل لفظة معنى يشاكلها، و ليكن ما تختم به فصولك في موضع ذكر البلوى بمثل: نسأل اللّه دفع المحذور، و صرف المكروه؛ و أشباه هذا؛ و في موضع ذكر المصيبة: إنا للّه و إنا إليه راجعون و في موضع ذكر النعمة: الحمد للّه خالصا، و الشكر للّه واجبا، [و ما يشاكل ذلك]؛ فإن هذه المواضع يجب على الكاتب أن يتفقدها و يتحفظ فيها؛ فإنّ الكاتب إنما يصير كاتبا بأن يضع كل معنى في موضعه، و يعلّق كل لفظة على طبقتها من المعنى.
[١] المخيس: سجن بالكوفة.
[٢] سورة البقرة الآية ١٥٦.