العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٦٦ - قولهم في الدين
قال: و رأيت أعرابيا و معه بنيّ له صغير ممسك بفم قربة، و قد خاف أن تغلبه القربة؛ فصاح: يا أبت، أدرك فاها، غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها!
قولهم في الدين
قال أعرابي: الدّين ذل بالنهار و همّ بالليل.
و قال أعرابي في غرماء له يطلبونه بدين:
جاءوا إليّ غضابا يلغطون معا # فقلت موعدكم دار ابن هبّار
و ما أواعدهم إلاّ لأدرأهم # عني فيحرجني نقضي و إمراري [١]
و ما جلبت إليهم غير راحلة # تخدي برحلي و سيف جفنه عاري [٢]
إنّ القضاء سيأتي دونه زمن # فاطو الصحيفة و احفظها من النار
الأصمعي قال: كان لرجل من يحصب على رجل من باهلة دين؛ فلما حل دينه هرب الأعرابي و أنشأ يقول:
إذا حلّ دين اليحصبيّ فقل له # تزوّد بزاد و استعن بدليل
سيصبح فوقي أقتم الريش واقعا # بقالي قلا أو من وراء دبيل [٣]
قال الأصمعي: اختصم أعرابيان إلى بعض الولاة في دين لأحدهما على صاحبه؛ فجعل المدّعى عليه يحلف بالطلاق و العتاق، فقال له المدعي: دعني من هذه الأيمان و احلف بما أقوله لك: لا ترك اللّه لك خفا يتبع خفا و لا ظلفا يتبع ظلفا؛ و حتّك من أهلك و مالك حتّ [٤] الورق من الشجر، إن لم يكن لي هذا الحق قبلك!فأعطاه حقه و لم يحلف له.
الهيثم بن عدي قال: يمين لا يحلف بها أعرابي أبدا: لا أورد اللّه لك صادرة، و لا أصدر لك واردة، و لا حططت رحلك، و لا خلعت نعلك.
[١] امراري و نقضي، أي عقدي و حلّي.
[٢] الجفن: غمد السيف و نحوه.
[٣] قالي قلا و دبيل: مدينتان بأرمينية.
[٤] حتّ: سقط.