العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨ - قول الأعراب في الدعاء
أتراك معذبنا و توحيدك في قلوبنا، و ما إخالك تفعل!و لئن فعلت لتجمعنّا مع قوم طالما أبغضناهم لك.
الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول في صلاته: الحمد للّه حمدا لا يبلى جديده و لا يحصى عديده، و لا يبلغ حدوده؛ اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره، و اجعل القبر خير بيت نعمره، و اجعل ما بعده خيرا لنا منه؛ اللهم إن عينيّ قد اغرورقتا دموعا من خشيتك؛ فاغفر الزلة، و عد بحلمك على جهل من لم يرج غيرك.
الأصمعي قال: وقف أعرابي في بعض المواسم فقال: اللهم إن لك عليّ حقوقا فتصدّق بها عليّ، و للناس قبلي تباعات فتحملها عني؛ و قد وجب لكل ضيف قرى [١] ، و أنا ضيفك الليلة، فاجعل قراي فيها الجنة.
قال: و رأيت أعرابيا أخذ بحلقتي باب الكعبة و هو يقول: سائلك عبد بابك ذهبت أيامه، و بقيت آثامه، و انقطعت شهوته، و بقيت تباعته فارض عنه، و إن لم ترض عنه فاعف عنه غير راض.
قال: و دعا أعرابي عند الكعبة، فقال: اللهم إنه لا شرف إلا بفعال، و لا فعال إلا بمال؛ فأعطني ما أستعين به على شرف الدنيا و الآخرة.
قال زيد بن عمر: سمعت طاوسا يقول: بينا أنا بمكة إذا دفعت إلى الحجاج بن يوسف، فثني لي وسادا فجلست، فبينا نحن نتحدث إذ سمعت صوت أعرابي في الوادي رافعا صوته بالتلبية، فقال الحجاج: عليّ بالملبّي. فأتي به، فقال: من الرجل؟ قال: من أفناء [٢] الناس. قال: ليس عن هذا سألتك. قال: فعمّ سألتني؟قال: من أي البلدان أنت؟قال: من أهل اليمن. قال له الحجاج: فكيف خلفت محمد بن يوسف؟ يعني أخاه، و كان عامله على اليمن؛ قال: خلفته عظيما جسيما خرّاجا ولاّجا. قال:
ليس عن هذا سألتك. قال: فعمّ سألتني؟قال: كيف خلّفت سيرته في الناس؟قال:
[١] القرى: ما يقدم إلى الضيف.
[٢] أفناء الناس: أخلاطهم.