العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣١٥ - فصول في حسن التواصل
فصول في حسن التواصل
للمفضّل أن يخص بفضله من شاء، و له الحمد فيما أعطى، و لا حجة عليه فيما منع، و كن كيف شئت، فإني قد أوليتك خالصة سريرتي، أرى ببقائك بقاء سروري، و بدوام النعمة عندك دوامها عندي.
و فصل: قد أغنى اللّه بكرمك عن الذريعة إليك و الاستعانة عليك؛ لأن حسن الظن باللّه فيك، و تأميل نجح الرغبة إليك فوق الشفعاء عندك.
و فصل: قد أفردتك برجائي بعد اللّه، و تعجلت راحة اليأس ممن يجود بالوعد و يضن بالإنجاز، و يحب أن يفضّل و يزهد في أن يفضل، و يعيب الكذب و لا يصدق.
و فصل: ضعني-أكرمك اللّه-من نفسك حيث وضعت نفسي من رجائك.
أصاب اللّه بمعروفك مواضعه، و بسط بكل خير يدك.
و فصل: لا أزال-أبقاك اللّه-أسأل الكتاب إليك، فمرة أتوقف توقف المخفف عنك من المئونة، و مرة أكتب كتاب الراجع منك إلى الثقة و المعتمد منك على المقة [١] ؛ لا أعدمنا اللّه دوام عزّك، و لا سلب الدنيا بهجتها بك و لا أخلانا من الصنع لك؛ فإنا لا نعرف إلا نعمتك، و لا نجد للحياة طعما إلا في ظلك؛ و لئن كانت الرغبة إلى بشر من الناس خساسة و ذلا، لقد جعل اللّه الرغبة إليك كرامة و عزّا؛ لأنك لا تعرف حرّا قعد به دهره، إلا سبقت مسألته بالعطية و صنت وجهه عن الطلب و الذّلة.
و فصل: لي عليك حق التأميل و الشكر، بما ابتدأت من المعروف، و لك عليّ حق الاصطناع و الفضل، و التنويه بالاسم و الشكر؛ و ليس يمنعني علمك بزيادة حقك على ما أبلغه من شكرك، من مساءلتك المزيد؛ إذ كنت قد انتهيت إلى ما بلغه المجهود، و خرجت من منزلة الإضاعة و التقصير، و إذ كنت تسمح بالحق عليك، و تطيب نفسا
[١] المقة: المحبة.