العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨٢ - و خطبة أيضا لعمر بن عبد العزيز
باللين، و حسر عن ذراعيه، و شمر عن ساقيه، واعد للأمور أقرانها و للحرب آلتها، فلما أصابه قنّ [١] المغيرة بن شعبة، أمر ابن العباس أن يسأل الناس هل يثبتون قاتله؟ فلما قيل له قنّ المغيرة استهل [٢] بحمد اللّه أن لا يكون أصابه من له حق في الفيء، فيستحل دمه بما استحل من حقه؛ و قد كان أصاب من مال اللّه بضعة و ثمانين ألفا فكسر بها رباعه [٣] ، و كره بها كفالة أهله و ولده، فأدّى ذلك إلى الخليفة من بعده، و فارق الدنيا تقيا نقيا على منهاج صاحبه.
ثم إنّا و اللّه ما اجتمعنا بعدهما إلا على ضلع أعوج، ثم إنك يا عمر ابن الدنيا ولدتك ملوكها، و ألقمتك ثديها، فلما وليتها ألقيتها و أحببت لقاء اللّه و ما عنده؛ فالحمد للّه الذي جلا بك حوبتنا، و كشف بك كربتنا. امض و لا تلتفت، فإنه لا يغني عن الحق شيء، أقول قولي هذا و أستغفر اللّه لي و لكم و للمؤمنين و للمؤمنات.
و لما قال: ثم إنا و اللّه ما اجتمعنا بعدهما إلا على ضلع أعوج. سكت الناس كلهم غير هشام، فإنه قال: كذبت!
و خطبة أيضا لعمر بن عبد العزيز
قال أبو الحسن: خطب عمر بن عبد العزيز بخناصرة [٤] خطبة لم يخطب بعدها حتى مات، رحمه اللّه. حمد اللّه و أثني عليه، ثم قال:
أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثا، و لم تتركوا سدى؛ و إن لكم معادا يحكم اللّه بينكم فيه، فخاب و خسر من خرج من رحمة اللّه التي وسعت كل شيء، و حرم جنة عرضها السموات و الأرض، و اعلموا أن الأمان غدا لمن خاف اليوم و باع قليلا بكثير، و فانيا بباق، أ لا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، و سيخلّفها من بعدكم الباقون [كذلك]حتى تردوا إلى خير الوارثين؛ ثم إنكم في كل يوم تشيّعون غاديا و رائحا
[١] القن: العبد.
[٢] استهل: صاح.
[٣] الرباع: الدور.
[٤] خناصرة: بلد بالشام من أعمال حلب.