العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨١ - خطبة عبد اللّه بن الأهتم بين يدي عمر بن عبد العزيز
فقال له: يا أمير المؤمنين، كلمت الناس بما أرقّ قلوبهم و أبكاهم، ثم قطعته أحوج ما كانوا إليه؛ فقال: يا رجاء، اني أكره المباهاة.
خطبة عبد اللّه بن الأهتم بين يدي عمر بن عبد العزيز
و دخل عبد اللّه بن الأهتم على عمر بن عبد العزيز مع العامة، فلم يفجأ إلا و هو قائم بين يديه يتكلم؛ فحمد اللّه و أثنى عليه و قال:
أما بعد، فإن اللّه خلق الخلق غنيا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم؛ و الناس يومئذ في المنازل و الرأي مختلفون، و العرب بشر تلك المنازل؛ أهل الوبر و أهل المدر، تحتاز دونهم طيبات الدنيا و رفاهة عيشها؛ ميّتهم في النار وحيهم أعمى، مع ما لا يحصى من المرغوب عنه و المزهود فيه؛ فلما أراد اللّه أن ينشر فيهم رحمته، بعث إليهم رسولا منهم عزيزا عليه ما عنتوا حريصا عليهم، بالمؤمنين رءوف رحيم؛ فلم يمنعهم ذلك أن جرحوه في جسمه، و لقبوه في اسمه، و معه كتاب من اللّه ناطق، لا يرحل إلا بأمره، و لا ينزل إلا بإذنه، و اضطروه إلى بطن غار؛ فلما أمر بالعزيمة أسفر لأمر اللّه لونه، فأفلج اللّه حجته، و أعلى كلمته، و أظهر دعوته. و فارق الدنيا تقيا صلّى اللّه عليه و سلم.
ثم قام من بعده أبو بكر رضي اللّه عنه، فسلك سنّته و أخذ سبيله؛ و ارتدّت العرب فلم يقبل منهم إلا الذي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقبله؛ فانتضى السيوف من أغمادها، و أوقد النيران في شعلها، ثم ركب بأهل الحق أهل الباطل، فلم يبرح يفصل أوصالهم و يسقي الأرض دماءهم، حتى أدخلهم في الباب الذي خرجوا منه، و قرّرهم بالأمر الذي نفروا منه؛ و قد كان أصاب من مال اللّه بكرا [١] يرتوي عليه. و حبشية ترضع ولدا له؛ فرأى ذلك غصّة في حلقه عند موته، و ثقلا على كاهله، فأدّاه إلى الخليفة من بعده و برئ إليهم منه، و فارق الدنيا تقيا نقيا على منهاج صاحبه.
ثم قام من بعده عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه؛ فمصر الأمصار، و خلط الشدة
[١] البكر: الفتى من الإبل.