العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣١٤ - فصول في التنصل
فصول في التنصل
كتب ابن مكرم: لاو عظيم أملي فيك ما أتيت فيما بيني و بينك ذنبا مخطئا و لا متعمّدا، و لعل فلتة لم ألق بالا، فأوطئ لها اعتذارا، و إلا تكن فنفثة حاسد زخرفها على لسان واش، نبذها إليك في بعض غرّاتك، أصابت مني مقتلا و شفت منه غليلا.
و فصل: ليس يزيلني عن حسن الظنّ بك فعل حملك الأعداء عليه، و لا يقطعني عن رجائك عتب حدث عليّ منك؛ بل أرجو أن تتقاضى كرمك إنجاز وعدك، إذ كان أبلغ الشفعاء إليك، و أوجب الوسائل لديك.
و فصل: أنت-أعزك اللّه-أعلم بالعفو و العقوبة من أن تجازيني بالسوء على ذنب لم أجنه بيد و لا لسان، بل جناه علي لسان واش، فأما قولك: إنك لا تسهّل سبيل العذر؛ فأنت أعلم بالكرم و أرعى لحقوقه و أعرف بالشرف و أحفظ لذماماته [١] من أن تردّ يد مؤمّلك صفرا من عفوك إذا التمسه، و من عذرك إذا جعل فضلك شافعا فيه و ذريعة له.
و فصل لإبراهيم بن العباس: الكريم أوسع ما تكون مغفرته إذا ضاقت بالمذنب معذرته.
و فصل: يا أخي، أشكو إلى اللّه و إليك تحامل الأيام عليّ، و سوء أثر الدهر عندي، و أني معلق في حبائل من لا يعرف موضعي، و لا يحلو عنده موقعي، أطلب منه الخلاص فيزيدني كلفا، و أرتجي منه الحق فيزداد به ضنا، فالثواء ثواء مقيم، و النية نية ظاعن و الزّماع [٢] زماع مرتحل؛ ما أذهب إلى ناحية من الحيلة إلا وجدت من دونها مانعا من العوائق؛ فأحمل الذنب على الدهر و أرجع إلى اللّه بالشكوى، و أسأله جميل العقبى و حسن الصبر.
[١] الذمامات: جمع ذمامة، و هي العهد.
[٢] الزماع: المضاء في الأمر و العزم عليه.