العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٨ - خطبة عبد الملك بن مروان
و انقطاع مدتها، و تصرم دارها. ثم إني أحذّركم الدنيا. فإنها حلوة خضرة، حفّت بالشهوات، و راقت بالقليل، و أينعت بالفاني، و تحببت بالعاجل. لا يدوم نعيمها، و لا تؤمن فجيعتها، أكّالة عوّالة غرّارة. لا تبقي على حال. و لا يبقى لها حال. لن تعدو الدنيا-إذا تناهت إلى أمنيّة أهل الرغبة فيها. و الرضا بها-أن تكون كما قال اللّه عز و جل: وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا كَمََاءٍ أَنْزَلْنََاهُ مِنَ اَلسَّمََاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبََاتُ اَلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ اَلرِّيََاحُ وَ كََانَ اَللََّهُ عَلىََ كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [١] . نسأل اللّه ربّنا و إلهنا و خالقنا و مولانا أن يجعلنا و إياكم من فزع يومئذ آمنين.
إن أحسن الحديث و أبلغ الموعظة كتاب اللّه، يقول اللّه: وَ إِذََا قُرِئَ اَلْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [٢] . أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم بسم اللّه الرحمن الرحيم: لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مََا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ `فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ [٣] .
خطب بني مروان
خطبة عبد الملك بن مروان
و كان عبد الملك بن مروان يقول في آخر خطبته: اللهم إن ذنوبي قد عظمت و جلّت أن تحصى، و هي صغيرة في جنب عفوك فاعف عني.
و خطب بمكة شرفها اللّه تعالى فقال في خطبته:
إني و اللّه ما أنا بالخليفة المستضعف-يعني عثمان-و لا بالخليفة المداهن يعني معاوية-و لا بالخليفة المأفون-يعني يزيد.
قال أبو إسحاق النظام: أما و اللّه لو لا نسبك من هذا المستضعف، و سببك من
[١] سورة الكهف الآية ٤٥.
[٢] سورة الأعراف الآية ٢٠٤.
[٣] سورة التوبة الآية ١٢٨.