العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١٥ - خطبة عائشة أم المؤمنين رحمها اللّه يوم الجمل
ساعدة الإيادي؟قالوا: كلنا يعرفه قال: فما فعل؟قالوا: هلك!قال: ما أنساه بسوق عكاظ في الشهر الحرام على جمل له أحمر و هو يخطب الناس و يقول:
اسمعوا و عوا: من عاش مات، و من مات فات، و كلّ ما هو آت آت؛ إنّ في السماء لخبرا، و إنّ في الأرض لعبرا، سحائب تمور، و نجوم تغور، في فلك يدور.
يقسم قسّ قسما: إن للّه دينا هو أرضى من دينكم هذا.
ثم قال: مالي أرى الناس يذهبون و لا يرجعون؟أرضوا بالإقامة فأقاموا؟أم تركوا فناموا.
أيكم يروي من شعره؟فأنشد بعضهم:
في الذّاهبين الأوّلين # من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا # للموت ليس لها مصادر
و رأيت قومي نحوها # تمضي: الأكابر و الأصاغر
لا يرجع الماضي و لا # يبقى من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا # لة حيث صار القوم صائر
خطبة عائشة أم المؤمنين رحمها اللّه يوم الجمل
قالت: أيها الناس صه صه؛ إنّ لي عليكم حق الأمومة، و حقّ الموعظة؛ لا يتهمني إلا من عصى ربّه؛ مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بين سحري [١] و نحري؛ فأنا إحدى نسائه في الجنة، له ادّخرني ربي و خلّصني من كلّ بضع [٢] ؛ و بي ميّز مؤمنكم من منافقكم، و بي أرخص اللّه لكم في صعيد الأبواء [٣] ؛ ثم أبي ثاني اثنين اللّه ثالثهما؛ و أول من سمّي صدّيقا، مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم راضيا عنه؛ و طوّقه أعباء الإمامة، ثم اضطرب حبل الدين بعده؛ فمسك أبي بطرفيه، و رتق لكم فتق النفاق، و أغاض [٤] نبع الردة،
[١] السحر: الرئة.
[٢] البضع: النكاح.
[٣] صعيد الأبواء: تراب المفازة.
[٤] أغاض: نقص.