العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٥٩ - خبر حائك الكلام
شرطة، يحتاج أن يكون عالما بالجروح و القصاص و العقول [١] و الديات؛ فأيهم أنت أعزك اللّه؟ قال: قلت: كاتب رسائل. قال: فأخبرني، إذا كان لك صديق تكتب إليه في المحبوب و المكروه و جميع الأسباب، فتزوّجت أمّه، فكيف تكتب له: أ تهنيه أم تعزيه؟ قلت: و اللّه ما أقف على ما تقول.
قال: فلست بكاتب رسائل، فأيّهم أنت؟قلت: كاتب خراج.
قال: فما تقول-أصلحك اللّه-و قد ولاك السلطان عملا فبثثت عمالك فيه فجاءك قوم يتظلمون من بعض عمالك؛ فأردت أن تنظر في أمورهم و تنصفهم؛ إذ كنت تحب العدل و البر، و تؤثر حسن الأحدوثة و طيب الذكر، و كان لأحدهم قراح [٢] كيف كنت تمسحه؟قال: كنت أضرب العطوف في العمود و أنظركم مقدار ذلك.
قال: إذا تظلم الرجل. قلت: فأمسح العمود على حدة.
قال: إذا تظلم السلطان. قلت: و اللّه ما أدري. قال: فلست بكاتب خراج، فأيهم أنت؟ قلت: كاتب جند. قال: فما تقول في رجلين، اسم كل واحد منهما أحمد، أحدهما مقطوع الشفة العليا، و الآخر مقطوع الشفة السفلى، كيف كنت تكتب حليتهما؟ قال: كنت أكتب: أحمد الأعلم، و أحمد الأعلم. قال: كيف يكون هذا و رزق هذا مائتا درهم و رزق هذا ألف درهم، فيقبض هذا على دعوة هذا، فتظلم صاحب الألف. قلت: و اللّه ما أدري. قال: فلست بكاتب جند؛ فأيهم أنت؟
[١] العقول: مفردها عقل، و هي الدّية.
[٢] القراح: المزرعة التي ليس عليها بناء و لا فيها شجر.