العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٥٨ - خبر حائك الكلام
الأهواز، فقعد في سرة الدنيا يأكلها خضما و قضما، و لم يوجه إلينا بدرهم واحد؛ اخرج إليه من ساعتك. فقلت في نفسي: أبعد الوزارة أصبر مستحثا على عامل خراج؟و لكن لم أجد بدّا من طاعة أمير المؤمنين، فقلت: أخرج إليه يا أمير المؤمنين. فقال: احلف لي أنك لا تقيم ببغداد إلا يوما واحدا. فحلفت له، ثم انحدرت إلى بغداد، فأمرت ففرش لي زورق بالطبري و غشّي بالسّلخ [١] ، و طرح عليه الكز [٢] ، ثم خرجت، فلما صرت بين دير هزقل و دير العاقول، إذا رجل يصيح: يا ملاح، رجل منقطع!فقلت للملاح: قرّب إلى الشطّ. فقال: يا سيدي، هذا شحاذ، فإن قعد معك آذاك. فلم ألتفت إلى قوله، و أمرت الغلمان فأدخلوه، فقعد في كوثل [٣] الزورق، فلما حضر وقت الغذاء عزمت أن أدعوه إلى طعامي، فدعوته، فجعل يأكل أكل جائع بنهامة، إلا أنه نظيف الأكل؛ فلما رفع الطعام، أردت أن يستعمل معي ما يستعمل العوام مع الخواص: أن يقوم فيغسل يده في ناحية؛ فلم يفعل، فغمزه الغلمان، فلم يقم فتشاغلت عنه ثم قلت: يا هذا ما صناعتك؟قال:
حائك!فقلت في نفسي: هذه شر من الأولى. فقال لي: جعلت فداك، قد سألتني عن صناعتي فأخبرتك، فما صناعتك أنت؟قال: فقلت في نفسي: هذه أعظم من الأولى، و كرهت أن أذكر له الوزارة فقلت: أقتصر له على الكتابة؛ فقلت: كاتب.
قال: جعلت فداك، الكتّاب على خمسة أصناف: فكاتب رسائل يحتاج إلى أن يعرف الفصل من الوصل و الصدور و التهاني و التعازي و الترغيب و الترهيب و المقصور و الممدود و جملا من العربية؛ و كاتب خراج، يحتاج أن يعرف الزرع و المساحة و الأشوال و الطّسوق [٤] و التقسيط و الحساب؛ و كاتب جند، يحتاج أن يعرف مع الحساب الأطماع [٥] و شيات الدواب و حلي الناس؛ و كاتب قاض، يحتاج أن يكون عالما بالشروط و الأحكام و الفروع و الناسخ و المنسوخ و الحلال و الحرام و المواريث؛ و كاتب
[١] السلخ: الجلد.
[٢] الكز: الكساء.
[٣] الكوثل: مؤخر السفينة.
[٤] الطسوق: جمع طسق و هو ما يوضع من الوظيفة على الجريان من الخراج المقرر على الأرض.
[٥] الأطماع: الرواتب الجارية على الجند.