العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١١٥ - معاوية و ابن الخطل
و قال مرة أخرى: أبا الطفيل!قال: نعم. قال: أنت من قتلة عثمان؟قال: لا، و لكني ممن حضره و لم ينصره. قال: و ما منعك من نصره؟قال: لم ينصره المهاجرون و الأنصار، فلم أنصره. قال: لقد كان حقّه واجبا و كان عليهم أن ينصروه. قال: فما منعك من نصرته يا أمير المؤمنين و أنت ابن عمه؟قال: أ و ما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل و قال: مثلك و مثل عثمان كما قال الشاعر:
لأعرفنّك بعد الموت تندبني # و في حياتي ما زوّدتني زادا
معاوية و ابن الخطل:
العتبي قال: صعد معاوية المنبر فوجد من نفسه رقة، فقال بعد أن حمد اللّه و أثنى عليه: أيها الناس، إن عمر و لاني أمرا من أمره، فو اللّه ما غششته و لا خنته ثم ولاني الأمر من بعده و لم يجعل بيني و بينه أحدا؛ فأحسنت و اللّه و أسأت، و أصبت و أخطأت؛ فمن كان يجهلني فإني أعرّفه بنفسي. فقام إليه سلمة بن الخطل العرجيّ؛ فقال: أنصفت يا معاوية و ما كنت منصفا. قال فغضب معاوية و قال: ما أنت و ذاك يا أحدب؟و اللّه لكأني أنظر إلى بيتك بمهيعة، [١] و بطنب [٢] تيس، و بطنب بهمة، بفنائه أعنز عشر، يحتلبن في مثل قوارة حافر العير، [٣] تهفو الريح منه بجانب، كأنه جناح نسر. قال: رأيت و اللّه ذاك في شر زماننا إلينا، و و اللّه إن حشوه يومئذ لحسب غير دنس؛ فهل رأيتني يا معاوية أكلت مالا حراما أو قتلت امرأ مسلما؟قال: و أين كنت أراك و أنت لا تدبّ إلا في خمر؟و أي مسلم يعجز عنك فتقتله؟أم أي مال تقوى عليه فتأكله؟اجلس لا جلست. قال: بل أذهب حتى لا تراني. قال إلى أبعد الأرض لا إلى أقربها فمضى، ثم قال معاوية: ردّوه عليّ، فقال الناس: يعاقبه!فقال له: أستغفر اللّه منك يا أحدب، و اللّه لقد بررت في قرابتك، و أسلمت فحسن إسلامك، و إن أباك لسيّد قومه؛ و لا أبرح أقول بما تحب فاقعد.
[١] المهيعة: الجحفة بين الحرين.
[٢] الطنب: عرق الشجر و عصب الجسد.
[٣] قوارة حافر العير: يريد ما يقور من باطن حافره.