العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٦٧ - ما يجوز في الكتابة و ما لا يجوز فيها
و اعلم أنه لا يجوز في الرسائل استعمال ما أتت به آي القرآن من الاختصار و الحذف، و مخاطبة الخاص بالعام و العام بالخاص؛ لأن اللّه جل ثناؤه[إنما]خاطب بالقرآن قوما فصحاء فهموا عنه-جل ثناؤه-أمره و نهيه و مراده؛ و الرسائل إنما يخاطب بها أقوام دخلاء على اللغة، لا علم لهم بلسان العرب.
و كذلك ينبغي للكاتب أن يجتنب اللفظ المشترك، و المعنى الملتبس؛ فإنه إن ذهب يكاتب على مثل معنى قول اللّه تعالى: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ اَلَّتِي كُنََّا فِيهََا وَ اَلْعِيرَ اَلَّتِي أَقْبَلْنََا فِيهََا [١] ، و كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ [٢] ، احتاج الكاتب أن يبيّن معناه: اسأل أهل القرية و أهل العير، و بل مكركم بالليل و النهار، و مثل هذا كثير لا يتسع الكتاب لذكره.
و كذلك لا يجوز أيضا في الرسائل و البلاغات المنثورة ما يجوز في الأشعار الموزونة؛ لأن الشاعر مضطر، و الشعر مقصور مقيّد بالوزن و القوافي؛ فلذلك أجازوا لهم صرف ما لا ينصرف من الأسماء، و حذف ما لا يحذف منها؛ و اغتفروا فيه سوء النظم، و أجازوا فيه التقديم و التأخير، و الإضمار في موضع الإظهار؛ و ذلك كله غير سائغ في الرسائل، و لا جائز في البلاغات، فممّا أجيز في الشعر من الحذف مثل قول الشاعر:
قواطنا مكّة من ورق الحما
يعني الحمام؛ و قول الآخر:
صفر الوشاحين صموت الخلخل
يريد الخلخال؛ و كقول الآخر:
دار لسلمى إذه من هواكا
[١] سورة يوسف الآية ٨٢.
[٢] سورة سبأ الآية ٣٣.