العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٩ - فرش الكتاب
كتاب المجنبة في الأجوبة
فرش الكتاب
قال أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في كلام الأعراب خاصة، و نحن قائلون بعون اللّه و توفيقه في الجوابات التي هي أصعب الكلام كلّه مركبا، و أعزه مطلبا، و أغمضه مذهبا، و أضيقه مسلكا؛ لأن صاحبه يعجل مناجاة الفكرة، و استعمال القريحة، يروم في بديهته نقض ما أبرم القائل في رويته، فهو كمن أخذت عليه الفجاج، و سدّت عليه المخارج، قد اعترض الأسنة، و استهدف للمرامي، لا يدري ما يقرع له فيتأهب له، و لا ما يفجأه من خصمه فيقرعه بمثله، و لا سيما إذا كان القائل قد أخذ بمجامع الكلام فقاده بذمامه بعد أن روّى فيه و احتفل، و جمع خواطره و اجتهد، و ترك الرأي يغبّ حتى يختمر؛ فقد كرهوا الرأي الفطير [١] ، كما كرهوا الجواب الدّبريّ [٢] ، فلا يزال في نسج الكلام و استئناسه، حتى إذا اطمأن شارده، و سكن نافره، صك به خصمه جملة واحدة ثم إذا قيل له: أجب و لا تخطئ، و أسرع و لا تبطئ، تراه يجاوب من غير أناة و لا استعداد، يطبّق المفاصل، و ينفذ إلى المقاتل، كما يرمي الجندل بالجندل، و يقرع الحديد بالحديد، فيحل به عراه، و ينقض به مرائره، و يكون جوابه على كلامه كسحابة لبّدت عجاجة [٣] ؛ فلا شيء أعضل من الجواب الحاضر، و لا أعز من الخصم الألد الذي يقرع صاحبه، و يصرع منازعه بقول كمثل النار في الحطب الجزل.
[١] الفطير: كل ما أعجل به قبل نضحه.
[٢] الرأي الدبري: هو الذي يسنح أخيرا بعد فوات الحاجة.
[٣] لبدت عجاجته: كفّ عما كان فيه.